الإمارات وروسيا.. شراكة استراتيجية وعلاقات اقتصادية مزدهرة
تشهد العلاقات التجارية والاقتصادية بين الإمارات وروسيا تطورا مستمرا يستند إلى اتفاقيات استراتيجية متعددة تم تطويرها على مدار عقود، لتصبح نموذجا للتعاون الدولي المستدام الذي يسهم في تحقيق التنمية الاقتصادية المشتركة.
وقد أسست الإمارات وروسيا علاقاتهما الدبلوماسية منذ عام 1971، ومنذ ذلك الحين، شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين تطورا مستمرا على مستوى التجارة الثنائية، والاستثمار المشترك، والشراكات في مختلف القطاعات.
تطور تاريخي للعلاقات الاقتصادية
تخضع العلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين للاتفاقية الحكومية الدولية (1990) بشأن التعاون التجاري والاقتصادي والفني منذ عام 1994، وفقا لوزارة الخارجية الإماراتية.
وفي عام 2013، دخلت اتفاقية التعاون بين غرفة التجارة الروسية واتحاد غرف التجارة في دولة الإمارات حيز التنفيذ، لتعزز أطر التعاون التجاري بين مجتمع الأعمال في البلدين وتنظيم الأنشطة الاقتصادية المتبادلة بشكل رسمي.
كما دخلت الاتفاقيات الحكومية الدولية حيز التنفيذ بشأن فرض الضرائب على دخل الاستثمار للدول المتعاقدة ومؤسساتها المالية والاستثمارية، بالإضافة إلى الاتفاقيات الخاصة بالتشجيع والحماية المتبادلة للاستثمار.
تبادل تجاري واستثماري هام
بالعودة إلى البيانات الاقتصادية، بلغ حجم التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات وروسيا نحو 11.5 مليار دولار في عام 2024، بنمو قدره 4.9% عن العام السابق، وارتفع بنسبة 76.3% على أساس سنوي في الربع الأول من 2025، ما يعكس دينامية العلاقات الاقتصادية وتعزيز شبكة الشركاء التجاريين.
وتهيمن على الصادرات الروسية إلى دولة الإمارات مجموعة واسعة من المنتجات، من بينها المعادن والأحجار الكريمة والمعادن ومنتجات النحاس، والآلات والمعدات، والمركبات، والمنتجات الكيماوية، والأخشاب، والورق والكرتون، والمنتجات الزراعية.
وعلى الجانب الآخر، تزود الإمارات روسيا بمنتجات متنوعة تشمل القوارب والأثاث ومعدات الإضاءة، والقهوة، والشاي، والتوابل، ما يعكس تنوعا تجاريا واستفادة متبادلة بين البلدين.
ويشهد النشاط الاقتصادي الروسي في الإمارات حضورا متزايدا، حيث يوجد حاليا أكثر من 40 مكتبا تمثيليا لشركات روسية محلية مسجلة في الإمارات، ومن أبرزها: Lukoil، Rosatom، Gazpromexport، Gazpromneft، Rosneftegazstroy، INTER RAO UES، VTB-Capital، Kamaz، Metalloinvest، Sovcomflot، MMK، وغيرها من الشركات الرائدة.
كما تعمل نحو 100 شركة روسية إضافية في المناطق الاقتصادية الحرة في الإمارات، ويبلغ عدد المشاريع المشتركة بين البلدين أكثر من 400 مشروع، وتركز هذه المشاريع بشكل خاص على التجارة والضيافة والعقارات والسياحة.

اتفاقية تجارة الخدمات
في إطار هدف الإمارات بتعزيز مكانتها كمركز اقتصادي ومالي عالمي من خلال توقيع الاتفاقيات الاقتصادية الاستراتيجية التي تدعم النمو التجاري والاستثمار المستدام، وقعت الدولة مع روسيا في أغسطس/آب 2025 اتفاقية تجارة الخدمات والاستثمارات، والتي تهدف إلى تعزيز أطر التعاون المشترك، وتوسيع شبكة التجارة الخارجية، ودعم التنمية المستدامة في كلا البلدين، بما يعكس رؤية القيادة الرشيدة في بناء جسور اقتصادية تدفع عجلة النمو والابتكار.
وتفتح الاتفاقية أبوابا واسعة أمام الاستثمار في قطاعات حيوية تشمل الاقتصاد والطاقة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا المتقدمة، والخدمات المالية، وتسهل وصول الشركات الإماراتية إلى سوق روسي يضم أكثر من 145 مليون مستهلك، ما يدعم أهداف الإمارات في التنويع الاقتصادي وتوسيع نطاق التجارة الخارجية، ويتيح فرصا نوعية لزيادة تدفق الاستثمارات وتحقيق نمو مستدام في مختلف القطاعات.
وتسهم هذه الاتفاقية في تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة في البلدين، إذ توفر للشركات الإماراتية فرصًا للاستفادة من الأسواق الروسية، وتحفز الشركات على التوسع في قطاعات مثل التصنيع المتقدم، والكيماويات، والإنشاءات، والطاقة المتجددة، والابتكار التكنولوجي، وتدعم تطوير سلاسل التوريد المحلية، وزيادة صادرات المنتجات الإماراتية عالية الجودة.
كما تعمل الاتفاقية على تسهيل شراكات القطاع الخاص، حيث تبسط مسارات تدفق رؤوس الأموال وتبادل المعرفة، بما يعزز القدرة التنافسية للشركات الإماراتية والروسية على حد سواء.
وتسهم الاتفاقية أيضا في دعم الاستدامة البيئية والمبادرات المناخية، من خلال تعزيز التعاون في مشاريع الزراعة المستدامة، وتحسين الأمن الغذائي، وزيادة القدرة على التكيف مع التغير المناخي، وهو ما يعكس الالتزام المشترك بين البلدين بمواكبة التحديات البيئية العالمية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
فرص واعدة
وفي الأثناء، تواصل الإمارات وروسيا استكشاف الفرص الاستثمارية الواعدة في قطاعات مثل الخدمات المالية، والتكنولوجيا المالية، والخدمات الاستشارية، والضيافة، والقطاع اللوجستي، والطاقة المتجددة، والبنية التحتية، بما يضمن انسيابية الاستثمار ويعزز خطط التنويع الاقتصادي للطرفين، ويتيح للشركات التوسع في الأسواق مع زيادة تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
ويشكل توقيع هذه الاتفاقية خطوة استراتيجية لتعزيز مكانة الإمارات كمركز أعمال عالمي، وجسر حيوي يربط بين مختلف الأسواق الدولية، ويسهم في استقطاب 650 مليار درهم من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2033. كما يعكس الموقع الاستراتيجي للبنية التحتية المتقدمة في الإمارات كمركز اقتصادي ولوجستي ومالي عالمي، حيث توفر هذه المنصة المثالية تعزيز التعاون في القطاعات الحيوية وخلق فرص عمل، واستقطاب الكفاءات المتنوعة، ودعم التنمية المستدامة.
لجان حكومة مشتركة
شهدت الدورة الثانية عشرة للجنة الحكومية الإماراتية-الروسية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والفني، التي عقدت في دبي في ديسمبر/ كانون الأول 2025، مناقشة شاملة لخطط العمل وآليات التعاون في مجالات متعددة، تشمل الاستثمار، والطاقة، والصناعة، والابتكار، والأمن الغذائي والزراعة، والتعليم، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والرياضة والثقافة، وحماية البيئة، والرعاية الصحية، وغيرها من القطاعات الاقتصادية الحيوية.
وقد تم الاتفاق على تطوير آليات جديدة لدعم رواد الأعمال من الجانبين، بما يسهم في دفع مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين نحو آفاق أوسع.
وتمثل هذه الإنجازات انعكاسا واضحا للرؤية الطموحة لدولة الإمارات في توسيع شبكة التجارة الحرة، وتعزيز التجارة غير النفطية، وتنمية قطاع الخدمات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية مع أكبر الأسواق العالمية.
كما تسهم هذه العلاقات في تحقيق أهداف رؤية "نحن الإمارات 2031"، والتي تهدف إلى ترسيخ مكانة الدولة مركزا عالميا للاقتصاد الجديد بحلول العقد المقبل.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز