الإمارات وأزمة السودان.. خارطة إنسانية وسياسية شاملة لدعم أبناء النيل
مبادرة إنسانية جديدة تتوج جهود دولة الإمارات المتواصلة على مختلف الأصعدة للتخفيف من تداعيات الحرب السودانية المتواصلة منذ 39 شهرا.
تلك المبادرة، أعادت عبرها دولة الإمارات طرح خارطة إنسانية وسياسية شاملة لإغاثة أبناء النيل، في إطار التزام راسخ ومستمر بدعم الشعب السوداني، أكدته دولة الإمارات مرارا وتكرارا، بلغة الأقوال والأفعال، في شتى المناسبات والفعاليات الدولية، وكلما اقتضت الحاجة.
خارطة إنسانية حددت خلالها دولة الإمارات ضوابط ومبادئ واجب الالتزام بها من أطراف الصراع، وأولويات إنسانية عاجلة، وأعادت التأكيد على التزامات إماراتية، ضمن جهودها المتواصل لحل الأزمة والتخفيف من تداعياتها.
30 مليون دولار لإغاثة "الأبيض"
ضمن أحدث تلك المبادرات، أعلنت دولة الإمارات، مساء الأحد، عن استجابة إنسانية طارئة بقيمة 30 مليون دولار أمريكي لدعم المدنيين المتأثرين بتدهور الأوضاع في مدينة الأبيض، بتوجيهات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات.
والأبيض هي عاصمة ولاية شمال كردفان، وهي بؤرة قتال حديث في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والمندلعة منذ أكثر من ثلاث سنوات مما تسبب في أزمة إنسانية واسعة النطاق.
وستُقدَّم المساعدات الإماراتية عبر "وكالة الإمارات للمساعدات الدولية" تجسيداً لنهج دولة الإمارات الإنساني الراسخ والتزامها المستمر تجاه الشعب السوداني.
تأتي هذه الاستجابة في أعقاب التدهور الخطير الذي تشهده الأوضاع الإنسانية في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها، حيث تتزايد الاحتياجات الملحة للمدنيين والنازحين إلى الأمن الغذائي والرعاية الصحية ومياه الشرب والمأوى.
وأكدت دولة الإمارات ضرورة التحرك الإنساني العاجل والمنسّق لضمان إيصال المساعدات المنقذة للحياة الى مستحقيها، ولا سيما للفئات الأكثر ضعفاً.
ضوابط ومبادئ
وشددت الإمارات على ضوابط ومبادئ واجب الالتزام بها لحماية المدنيين في الأبيض وفي مختلف أنحاء السودان يجب أن تظل أولوية عاجلة للمجتمع الدولي، وهي :
- التزام جميع أطراف النزاع بالقانون الدولي الإنساني.
- تجنب التصعيد في المناطق المأهولة بالسكان.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل عاجل وآمن ودون عوائق.
- عدم تسييس معاناة المدنيين.
- تركيز الجهود الدولية على إنقاذ الأرواح .
- دعم المساءلة عن الانتهاكات من خلال آليات مستقلة ومهنية ونزيهة.
أولويات عاجلة
وقال الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، وزير الدولة الإماراتي وعضو مجلس الشؤون الإنسانية الدولية أن هذه الاستجابة العاجلة تجسد نهج قيادة دولة الإمارات الرشيدة بأن الإنسان يبقى هو محور عملنا الإنساني.
وحدد مجموعة من الأولويات دعا إلى التركيز عليها في هذه المرحلة الحرجة، وهي:
- حماية المدنيين.
- تمكين ممرات إنسانية آمنة.
- الاستجابة للاحتياجات العاجلة للنازحين وللفئات الأكثر ضعفا، ولا سيما المرضى والأطفال وكبار السن والنساء.
التزامات إماراتية
- الدور الإماراتي في تلك الخارطة الإنسانية، أوضحه الشيخ شخبوط بن نهيان آل نهيان، عبر عدد من التزامات وهي:
- دولة الإمارات ستواصل الوقوف إلى جانب الشعب السوداني
- العمل مع الشركاء الإنسانيين والدوليين للتخفيف من معاناة المدنيين.
- تعزيز الاستجابة الإنسانية.
- المساعدة للحيلولة دون مزيد من التدهور على الأرض.
وأشار وزير الدولة الإماراتي إلى أن إجمالي الدعم الذي قدمته دولة الإمارات للسودان منذ اندلاع الأزمة بلغ نحو 800 مليون دولار أمريكي، وهو ما يعكس التزام الدولة الراسخ بالوقوف إلى جانب الشعب السوداني، ودعم الاستجابة الإنسانية الدولية، ومساعدة اللاجئين والنازحين والمجتمعات الأكثر تضرراً من النزاع.
من جانبه، أوضح الدكتور طارق أحمد العامري، رئيس وكالة الإمارات للمساعدات الدولية، أن المساعدات الإنسانية الإماراتية، تأتي ضمن التعهدات التي أعلنت عنها دولة الإمارات لدعم خطط الاستجابة الإنسانية، بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركائها، الأمر الذي يُسهم في توفير الغذاء والرعاية الصحية والإيواء، ودعم اللاجئين والنازحين والفئات الأكثر احتياجاً.
ويشمل هذا الدعم مساعدات إنسانية بالتعاون مع الأمم المتحدة وشركائها، وهو ما سيسهم في توفير الغذاء والرعاية الصحية والمأوى والمساعدة للمجتمعات الأكثر ضعفاً داخل السودان وفي الدول المجاورة.
خارطة سياسية
البيان الرسمي الإماراتي التي أعلنت الإمارات عبره مبادراتها الإنسانية، أعادت من خلاله أبرز ملامح رؤيتها لحل الأزمة، وجددت دولة الإمارات في هذا الصدد تأكيدها على ما يلي:
- لا يوجد حل عسكري للأزمة في السودان.
- الأولوية يجب أن تكون لحماية المدنيين.
- تيسير وصول المساعدات الإنسانية.
- وقف التصعيد.
- دعم عملية سياسية بقيادة مدنية سودانية تفضي إلى تحقيق سلام مستدام، بما يحفظ وحدة السودان واستقراره ويحقق تطلعات شعبه في الأمن والازدهار والحياة الكريمة..
حراك متواصل
ولم تفوت دولة الإمارات أي مناسبة أو فعالية دولية لدعم السودان منذ اندلاع الحرب قبل 39 شهرا، وإلا كانت في صدارة المشاركين والداعمين لأبناء النيل.
وقبل يومين، أكدت دولة الإمارات أن التصعيد المتواصل في مدينة الأبيض والمناطق المحيطة بها يبرهن على أنه لا يوجد حل عسكري للنزاع في السودان، مجددة دعوتها إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، والتوصل إلى هدنة إنسانية عاجلة.
جاء ذلك في بيان خلال الجلسة العاجلة التي عقدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن الأوضاع في مدينة الأبيض.
وجدد البيان إدانة الإمارات بأشد العبارات لجميع انتهاكات القانون الدولي التي يرتكبها طرفا النزاع في مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.
ودعا إلى توسيع نطاق حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة ليشمل كامل أراضي السودان، باعتباره إجراءً ضرورياً لوقف الأعمال العدائية وضمان حماية المدنيين، مؤكدة أهمية ضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن ودون عوائق إلى جميع المناطق المتضررة.
وفي 27 يونيو/حزيران الماضي، أصدرت دولة الإمارات بيانا رسميا أعادت عبره رؤيتها لحل الأزمة، وأعربت في الوقت ذاته عن قلقها إزاء استمرار التصعيد العسكري من قبل طرفي الصراع في عدد من مناطق السودان، بما في ذلك مدينة الأبيض، وما يترتب عليه من خسائر في صفوف المدنيين وتفاقم للأزمة الإنسانية.
جاء البيان الإماراتي غداة كلمة للإمارات يوم 26 يونيو/حزيران من على منبر مجلس الأمن الدولي، أعادت خلالها تأكيد نهجها القائم على دعم الشعب السوداني، والدفع نحو حل سياسي شامل ينهي الأزمة
وأكد السفير محمد أبوشهاب المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن السودان، على أهمية وضع خارطة طريق واضحة ضمن إطار زمني محدد، تقود إلى حكومة مدنية مستقلة وشاملة، بما يحقق السلام والاستقرار المستدامين للشعب السوداني..
مبادرات متتالية
وقبل نحو 3 شهور، شاركت دولة الإمارات في 15 أبريل/نيسان الماضي، في مؤتمر برلين "من أجل السودان"، والتي أكدت خلاله ضرورة التوصل إلى حل سلمي لهذا الصراع من خلال انتقال سياسي مستقل يقوده المدنيون.
وجاءت مشاركة الإمارات في مؤتمر برلين الذي اختتم بتعهد المشاركين فيه بتقديم 1.3 مليار يورو (1.5 مليار دولار) على شكل مساعدات للسودان، بعد شهرين من مشاركتها في مؤتمر المانحين للسودان في الولايات المتحدة 3 فبراير/شباط الماضي، والتي تعهدت خلالها الإمارات وحدها بتقديم 500 مليون دولار أمريكي للاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة في السودان.

ووقعت دولة الإمارات مطلع الشهر ذاته اتفاقية تعاون مع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة (WFP)، تقدم بموجبها منحة مقدارها 20 مليون دولار أمريكي، بهدف تسريع الاستجابة الطارئة في السودان من خلال تقديم المساعدات الغذائية للسكان المتأثرين من النزاع، وتلبية الاحتياجات العاجلة للأمن الغذائي للفئات الأكثر ضعفاً، بما في ذلك النازحون في المجتمعات المستضيفة.
توقيع اتفاقية المنحة جاء بعد نحو 10 أيام من توقيع دولة الإمارات اتفاقية تعاون في 21 يناير/كانون الثاني الماضي، مع مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تُسهم بموجبها دولة الإمارات بمبلغ 5 ملايين دولار أمريكي، بهدف دعم صندوق السودان الإنساني المشترك لدعم الاستجابة الإنسانية الطارئة في السودان، وبما يسهم في تلبية الاحتياجات العاجلة للفئات الأكثر تضررًا من الأزمة.
جاء ذلك بعد أيام من توقيع وكالة الإمارات للمساعدات الدولية 18 من الشهر نفسه اتفاقية تعاون مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر دعماً للجهود الإنسانية في السودان خصصت بموجبها دولة الإمارات 11 مليون دولار أمريكي كجزء من الـ100 مليون دولار أمريكي التي أعلنت عنها الدولة خلال اجتماع مجلس الأمن الذي عقد في شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي، منها 10 ملايين لدعم المجتمعات المضيفة للاجئين السودانيين في تشاد وجنوب السودان وأوغندا وإثيوبيا، ومليون لدعم صندوق الطوارئ للاستجابة للكوارث التابع للاتحاد.
وشاركت دولة الإمارات في 14 من الشهر نفسه، في الاجتماع التشاوري الخامس لتعزيز تنسيق مبادرات وجهود السلام في السودان، الذي عُقد في القاهرة.
تأتي تلك الجهود ضمن حراك دبلوماسي وإنساني عابر للحدود والقارات انطلق منذ بداية الأزمة دعمًا لأي حل سياسي سلمي في السودان
أيضا تأتي في إطار حرص الإمارات على دعم الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى الدفع نحو هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، وصولًا إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإطلاق مسار انتقال مستقل عن الأطراف المتحاربة والعناصر المتطرفة، يلبّي تطلعات الشعب السوداني نحو تشكيل حكومة مدنية مستقلة.
ملحمة إنسانية
ومنذ اندلاع القتال في 15 أبريل/نيسان 2023 بين الجيش السوداني بقيادة عبدالفتّاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، لم تتوقف دولة الإمارات عن بذل الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وإنهاء الأزمة عبر الحوار والطرق السلمية.
جهودٌ تسجلها صفحات تاريخ العلاقات الأخوية الممتدة بين البلدين منذ أكثر من 5 عقود، بحروف من ذهب، تخليدًا للبصمات الإنسانية الإماراتية المساندة للشعب السوداني.
لكن في مقابل هذا الحراك، يسعى أحد أطراف الأزمة إلى عرقلته من خلال تلفيق افتراءات وادعاءات ضد دولة الإمارات أمام المنظمات الدولية، تزعم انحيازها لطرف دون آخر ودعمه بالأسلحة والذخائر، في محاولة لصرف الأنظار عمّا يُرتكب من أعمال عنف خلال الحرب المستعرة منذ 39 شهرًا.
تلك المحاولات، لم تحِد الإمارات عن التزامها الراسخ بمدّ يد العون للشعب السوداني، سواء داخل البلاد أو في الدول التي لجأ إليها النازحون.
وعلى مدار أكثر من 3 سنوات من عمر الأزمة، كانت دولة الإمارات عضوا فعالا في مختلف الآليات الدولية التي تم تشكيلها لمعالجة الأزمة، بدءا من منصة «متحالفون لتعزيز إنقاذ الحياة والسلام في السودان»، وصولا إلى المجموعة الرباعية التي تضم (الإمارات- السعودية- مصر- الولايات المتحدة) وتعمل على إنهاء الصراع وتهيئة الظروف للحوار.
ويتوافق التوجه الإماراتي لحل الأزمة بشكل كامل مع خارطة طريق الرباعية الدولية، التي تضع السودان وكرامة شعبه في صدارة أولوياتها، وتؤكد أن الحل السياسي المدني الشامل، هو الطريق الوحيد لإنهاء الصراع المستمر.
وجنبا إلى جنب مع جهودها الدبلوماسية، واصلت دولة الإمارات دعمها الإنساني لأهل السودان.
ففي 14 فبراير/شباط 2025، نظّمت دولة الإمارات بالتعاون مع إثيوبيا والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، "المؤتمر الإنساني رفيع المستوى من أجل شعب السودان"، وأعلنت خلاله عن تقديم 200 مليون دولار إضافية كمساعدات إنسانية.

وقبيل المبادرة الإنسانية التي أعلنتها في أديس أبابا، تعهدت دولة الإمارات خلال مشاركتها في اجتماعات المؤتمر الدولي الإنساني بشأن السودان في العاصمة الفرنسية باريس، 17 أبريل/نيسان 2024، بتقديم 100 مليون دولار أمريكي دعمًا للجهود الإنسانية في السودان ودول الجوار.
وخلال الاجتماع الذي عقده مجلس الأمن الدولي 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أعلنت دولة الإمارات عن تقديم تبرع إضافي بقيمة 100 مليون دولار أمريكي لدعم العمليات الإنسانية المنقذة للحياة في الفاشر.
وأثناء مشاركتها في مؤتمر المانحين للسودان في الولايات المتحدة 3 فبراير/شباط الماضي، تعهدت الإمارات بتقديم 500 مليون دولار أمريكي.
وشكّلت المبادرات والمساعدات الإماراتية طوق نجاة لملايين المتضررين، حيث بلغ عدد المستفيدين المباشرين من تلك المساعدات ما يزيد على مليوني شخص.
ووفقًا لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تُعد دولة الإمارات الثانية بعد الولايات المتحدة في تقديم المساعدات إلى السودان منذ بدء النزاع في 15 أبريل/نيسان 2023، وأكبر مانح لعام 2025.
وعلى مدار العقد الماضي (2015-2025)، قدّمت دولة الإمارات مساعدات للسودان تجاوزت قيمتها 4.24 مليار دولار أمريكي.
جهود عابرة للحدود والقارات انطلقت منذ بداية الأزمة في أبريل/نيسان 2023، دعمًا لأي حل سياسي سلمي في السودان، يسكت أزيز الرصاص ويحفظ وحدة البلد الأفريقي، ويعيد الاستقرار والأمن والسلام إلى أراضيه، ويحقق تطلعات شعبه في التنمية والرخاء.