الإخوان و«بريفنت».. بريطانيا تخسر سباق التكيف مع تحوّلات الإرهاب (خاص)
تحولات متسارعة يشهدها التطرف العالمي، باتت تشكل معضلة لبريطانيا التي تجد نفسها أمام تحديات تتجاوز المقاربات الأمنية التقليدية التي اعتمدتها لعقود.
ويواجه برنامج «بريفنت»، أحد أبرز أدوات مكافحة التطرف والإرهاب في بريطانيا، موجة متواصلة من الانتقادات والتساؤلات بشأن قدرته على تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها.
تساؤلات أثارها تقرير نشرته مجلة «ذا ويك» البريطانية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من تنامي نفوذ جماعة الإخوان والتنظيمات المتطرفة داخل المملكة المتحدة، وعجر لندن على مواكبة أشكال التطرف الجديدة التي انتقلت من التنظيمات الهرمية التقليدية إلى فضاءات رقمية وشبكات أكثر مرونة وتعقيدًا.
- مرشحة مصرية الأصل لمنصب عمدة لندن تحذر من خطر الإخوان في بريطانيا
- الجناح 702.. خبايا «وكر الإخوان» في بريطانيا
واعتبر خبراء أن الجدل الدائر حول برنامج «بريفنت» يكشف إخفاقًا أوسع في التعامل مع خطر الإسلام السياسي وشبكات التطرف المرتبطة بجماعة الإخوان داخل بريطانيا، وأن التردد في مواجهة هذه التنظيمات والخطابات المتشددة أتاح لها توسيع نفوذها داخل بعض الأوساط المجتمعية والمؤسساتية.
وأكدوا أن التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة الأفراد المتورطين في أعمال إرهابية، بل يمتد إلى التصدي للبيئات الفكرية والتنظيمية التي توفر الغطاء الأيديولوجي للتطرف، وتُسهم في إعادة إنتاجه بأشكال مختلفة، ما يستدعي مراجعة أكثر صرامة لسياسات مكافحة التطرف وآليات التعامل مع الجماعات والتنظيمات المرتبطة بالإسلام السياسي.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية أحمد عطا في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن «صناعة التطرف» شهدت تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت تقوم على ما وصفه بـ«هندسة أيديولوجية» تتكيف مع المصالح والظروف السياسية المختلفة، مشيرًا إلى أن صعود التنظيمات الإرهابية بلغ ذروته خلال الفترة بين عامي 2011 و2015 مع تمدد تنظيمي داعش الإرهابي والقاعدة في عدد من الدول العربية، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على العراق وسوريا وليبيا واليمن.
تحذيرات من نفوذ الإخوان
وتتقاطع هذه الانتقادات للبرنامج مع تحذيرات أطلقتها ليلى كانينغهام، المرشحة البارزة في حزب «ريفورم يو كيه» البريطاني والمنحدرة من أصول مصرية، بشأن تنامي نفوذ جماعة الإخوان والتنظيمات الإسلامية المتشددة داخل المملكة المتحدة.
وقالت كانينغهام في مقابلة مع برنامج «الحقيقة مع هادلي» إن بريطانيا تحولت إلى «بيئة خصبة للتطرف» بالنسبة لبعض التيارات القادمة من الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن دول الخليج حذرت لندن مرارًا من خطر جماعة الإخوان دون أن تلقى تلك التحذيرات استجابة كافية.
وأضافت أن السلطات البريطانية تتردد في مواجهة التطرف خوفًا من اتهامات الإسلاموفوبيا، معتبرة أن هذا التردد أوجد تحديات أمنية ومجتمعية متصاعدة.
ويرى عطا أن المخاوف من اتهامات الإسلاموفوبيا أسهمت، إلى حد ما، في الحد من فعالية بعض جهود مكافحة التطرف داخل بريطانيا، موضحًا أن البلاد تضم جمعيات ومنظمات وروابط ترتبط بأجندات تنظيمات قادمة من دول عربية مختلفة، وأن بعض هذه الكيانات تنشط تحت عناوين دعوية أو مجتمعية أو خيرية.
كما انتقدت كانينغهام استمرار عدم تصنيف جماعة الإخوان منظمة محظورة في بريطانيا، رغم تقارير وتحذيرات صدرت في دول أوروبية عدة بشأن أنشطتها وشبكاتها.
ويتفق عطا مع هذا الطرح، معتبرًا أن جماعة الإخوان تختلف عن التنظيمات الإرهابية التقليدية بسبب امتلاكها بنية تنظيمية دولية ومكاتب خارجية وآليات استقطاب مكّنتها من إعادة إنتاج نفوذها في أكثر من دولة. وأضاف أن التنظيم الدولي احتفظ بحضوره الخارجي رغم التراجع الذي أصابه في عدد من الدول العربية بعد عام 2013، مستفيدًا من شبكات ومؤسسات تعمل بأشكال مختلفة خارج المنطقة.
وأوضح أن مصر كانت تمثل مركز الثقل الرئيسي للتنظيم قبل سقوط حكم الإخوان في 30 يونيو/حزيران 2013، وما أعقب ذلك من ملاحقات أمنية وقضائية استهدفت قياداته وهياكله التنظيمية، فيما اتخذ الأردن إجراءات متدرجة لتقييد نشاط الجماعة وحظرها.
ورأى أن بريطانيا تمثل حالة مختلفة مقارنة ببقية الدول الأوروبية، مشيرًا إلى أنها ظلت إحدى أهم ساحات نشاط التنظيم الدولي للإخوان، وأن التنظيم احتفظ فيها بحضوره الخارجي حتى بعد تراجع نفوذه في عدد من الدول العربية وما تبع ذلك من إجراءات حظر وملاحقة استهدفت قياداته وشبكاته.
ودعت كانينغهام إلى تعزيز الرقابة على الجمعيات والمنظمات التي يشتبه في ارتباطها بأفكار متطرفة، إلى جانب دعم برامج الاندماج التي تعزز قيم المجتمع البريطاني.
ما هو «بريفنت»؟
وبريفنت هو برنامج طُوّر في أعقاب هجمات 11 سبتمبر/أيلول وخلال فترة حرب العراق، بوصفه الركيزة الأولى ضمن استراتيجية الحكومة البريطانية لمكافحة الإرهاب في إنجلترا واسكتلندا وويلز، إلى جانب الملاحقة والحماية والاستعداد.
ويهدف البرنامج إلى معالجة الأسباب الفكرية والأيديولوجية للإرهاب، والتدخل المبكر لمنع الأشخاص من الانجراف نحو التطرف، ومساعدة المنخرطين في أنشطة مرتبطة بالإرهاب على الانفصال عنها وإعادة تأهيلهم.
ومن الناحية النظرية، لا يستهدف البرنامج إدخال الأشخاص في مشكلات قانونية، بل يركز على تقديم المساعدة المبكرة لمن يُعتقد أنهم معرضون لخطر التطرف، إلا أنه تعرض لانتقادات من اتجاهات مختلفة.
إخفاقات أثارت الجدل
وارتبط اسم البرنامج بعدد من القضايا التي أثارت تساؤلات بشأن فعاليته. ففي عام 2017 فجّر أحمد حسن قنبلة في محطة بارسونز غرين، رغم أن مسؤولي البرنامج كانوا يناقشون ملفه لأكثر من عام وكانوا على وشك إغلاقه قبل أيام من تنفيذ الهجوم.
كما كان عثمان خان، منفذ هجوم «فيشمونغرز هول» عام 2019، معروفًا لدى البرنامج وخاضعًا للمتابعة.
وفي عام 2021 اغتال علي هاربي علي النائب البريطاني ديفيد أميس، قبل أن يتبين لاحقًا أنه تمكن من خداع البرنامج عبر ما وُصف بـ«الامتثال المموه»، أي إظهار التعاون ظاهريًا دون التخلي فعليًا عن أفكاره المتطرفة.
أما أكسل روداكوبانا، منفذ هجوم ساوثبورت، فقد أُحيل إلى البرنامج ثلاث مرات، لكن ملفه أُغلق في كل مرة.
كما أُحيل المشتبه به في حادث الطعن بمنطقة غولدرز غرين في أبريل/نيسان الماضي إلى البرنامج عام 2020، قبل أن يُغلق ملفه في العام نفسه.
وفي المقابل، شهد البرنامج حالات وُصفت بأنها «إنذارات كاذبة»، من أبرزها حالة طفل مسلم يبلغ من العمر عشر سنوات أُحيل إلى البرنامج عام 2015 بعد سوء فهم ناتج عن خطأ لغوي في واجب مدرسي.
تغير طبيعة التهديد
ويتيح القانون لأي شخص تقديم بلاغ إلى البرنامج عبر الشرطة أو السلطات المحلية، وخلال العام المالي 2024-2025 بلغ عدد الإحالات إلى البرنامج 8778 حالة، وهو أعلى رقم في تاريخه، مقارنة بنحو ستة آلاف حالة سنويًا في السنوات السابقة.
وبلغ متوسط عمر المحالين إلى البرنامج 16 عامًا، فيما شكّل الأطفال بين 11 و15 عامًا 36% من إجمالي الحالات.
وكان البرنامج حتى عام 2011 يركز بصورة أساسية على التطرف الإسلامي، لكنه توسع لاحقًا ليشمل خمسة عشر نوعًا آخر من المخاوف المرتبطة بالتطرف.
وفي عام 2024-2025 كانت إحالات التطرف اليميني الأكثر شيوعًا بنسبة 20% من الحالات، مقابل 9% فقط للحالات المرتبطة بالتطرف الإسلاموي.
كما شملت الإحالات حالات مرتبطة بالتطرف اليساري والتطرف البيئي وحركات «العزاب القسريين» القائمة على كراهية النساء.
وعند إحالة أي حالة، تقوم الشرطة أولًا بتقييم مستوى الخطر. وإذا تبين وجود خطر فعلي، يُعرض الملف على لجنة متعددة الجهات تُعرف باسم «تشانل»، تضم ممثلين عن الخدمات الاجتماعية والتعليم والصحة النفسية وغيرهم من المختصين، لوضع خطة دعم تناسب كل حالة.
وخلال عام 2024-2025 لم يُقبل سوى 17% من الحالات المحالة ضمن برنامج «تشانل»، فيما تبقى المشاركة فيه طوعية وتتطلب موافقة الشخص المعني أو أولياء أموره.
جدل مستمر حول البرنامج
وبطبيعته، يتطلب البرنامج متابعة أشخاص لم يرتكبوا جرائم بعد، وغالبًا ما يكونون من الشباب، وهو ما أثار انتقادات تتعلق بجمع البيانات الشخصية ومشاركتها بين جهات متعددة والاحتفاظ بها لفترات طويلة.
ويتركز جانب من الجدل حول ما يُعرف بـ«واجب بريفنت»، الذي أصبح منذ عام 2015 التزامًا قانونيًا على المدارس والمستشفيات والسجون والشرطة للتعرف على مؤشرات التطرف المحتملة وإبلاغ السلطات بها.
وفي عام 2016 صوّت الاتحاد الوطني للمعلمين ضد هذا الواجب، معتبرًا أنه خلق أجواء من الشك والريبة داخل الفصول الدراسية.
وخلال سنوات طويلة، خصوصًا في ذروة نفوذ تنظيم داعش الإرهابي، كان معظم المحالين إلى البرنامج من المسلمين. ففي عام 2015-2016 كانت 65% من الإحالات مرتبطة بمخاوف من التطرف الإسلامي.
مراجعات متباينة
في عام 2023 أجرى ويليام شوكروس، المراجع المستقل السابق للتشريعات والسياسات المرتبطة بمكافحة التطرف، مراجعة مستقلة للبرنامج خلصت إلى أنه يعاني مما وصفه بـ«ثقافة التردد والخوف».
وأشار التقرير إلى أن 80% من تحقيقات مكافحة الإرهاب التي تجريها الشرطة تتعلق بالإرهاب الإسلاموي، في حين أن هذه الفئة لم تمثل سوى 22% من الإحالات إلى البرنامج.
كما بلغت ميزانية البرنامج 38.7 مليون جنيه إسترليني في عام 2025-2026 من إجمالي إنفاق بريطاني على مكافحة الإرهاب يقدر بنحو ثلاثة مليارات جنيه إسترليني، قبل أن تنخفض هذا العام إلى نحو 25 مليون جنيه وفق التقارير.
وأظهرت مراجعة أجراها ديفيد أندرسون، المراجع المستقل السابق لتشريعات الإرهاب في المملكة المتحدة، العام الماضي أن 80% من المسلمين البريطانيين يؤيدون البرنامج، كما أن عددًا كبيرًا من العاملين فيه مسلمون.
إلا أن أندرسون أشار إلى مشكلة هيكلية تتمثل في أن البرنامج صُمم للتعامل مع أشخاص تحركهم أيديولوجيات متطرفة، بينما لم يكن لدى أكثر من نصف المحالين إليه خلال العام الماضي أي توجه أيديولوجي واضح.
«بريفنت» أصبح جزءًا من المشكلة
وتعليقًا على البرنامج، يرى خالد حسن، مدير شؤون المجتمع في منظمة «إمباور» البريطانية والباحث المتخصص في قضايا التطرف والإسلام السياسي، أن بريطانيا تواجه أزمة تطرف متفاقمة، وأن الخطر لم يعد يقتصر على جماعات أو أفراد متطرفين يعملون على هامش المجتمع، بل بات يتمثل، بحسب وصفه، في «تطبيع التطرف» داخل المؤسسات والسياسات العامة.
وفي مقابلة مع ستيفان تومبسون، مؤسس موقع «فيسجراد 24»، طُلب منه تقديم صورة عامة عن مستوى التهديد الذي تواجهه بريطانيا، قال إنه لو كانت المملكة المتحدة شخصًا من لحم ودم لوصف حالتها بأنها «مهددة للحياة»، معتبرًا أن حجم المشكلة وصل إلى مستوى بالغ الخطورة.
ويرى خالد حسن أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع هو التغير الذي طرأ على طريقة تعامل الدولة البريطانية مع التطرف خلال السنوات الأخيرة.
ففي رأيه، لم تعد المؤسسات الرسمية تنظر إلى الظاهرة باعتبارها تهديدًا يجب التصدي له بوضوح، بل أصبحت تميل إلى إعادة تعريف المشكلة والتقليل من خطورتها.
وانتقد حسن برنامج «بريفنت»، موضحًا أن الفكرة الأساسية للبرنامج كانت تقوم على التدخل المبكر عندما تظهر على شخص ما مؤشرات تدل على تعاطفه مع تنظيمات متطرفة مثل تنظيم داعش الإرهابي أو القاعدة أو حماس، ومن ثم إخضاعه لمسار وقائي يهدف إلى منعه من التورط بشكل أعمق في الفكر المتشدد.
لكنه اعتبر أن البرنامج ابتعد تدريجيًا عن هذا الهدف، قائلاً إن بعض المؤسسات المرتبطة به أصبحت تحاول إعادة تفسير المفاهيم المرتبطة بالتطرف بدلًا من مواجهتها بشكل مباشر.
وأضاف: «برنامج بريفنت أصبح يجادل، على المستوى المؤسسي، بأن كلمة الجهاد لا تعني الجهاد فعلًا، وإنما تعني الصراع الداخلي أو الكفاح الشخصي».
ورأى أن هذا النوع من المقاربات يمثل انحرافًا عن المهمة الأصلية للبرنامج، مضيفًا: «بدلًا من مواجهة التطرف، أصبحوا يحاولون القول إننا ربما نسيء فهم التطرف، وإنه ليس سيئًا إلى هذا الحد».
50 ألف «متطرف»
وعند حديثه عن حجم التطرف الإسلاموي داخل المملكة المتحدة، أكد خالد حسن أن الوصول إلى أرقام دقيقة أمر بالغ الصعوبة.
وأوضح أن البيانات المعروفة تتحدث عن نحو 50 ألف شخص يخضعون للمراقبة النشطة من قبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية البريطانية.
لكنه أشار إلى أن العدد الحقيقي للمتطرفين أكبر من ذلك، لأن الأشخاص الذين تراقبهم أجهزة الأمن يمثلون فقط الشريحة التي وصلت إلى مستوى يستدعي المتابعة الأمنية المباشرة، بينما يوجد عدد أكبر بكثير من الأشخاص الذين يحملون أفكارًا متشددة أو متعاطفة مع جماعات متطرفة دون أن يكونوا موضع مراقبة رسمية.
ويعتقد أحمد عطا أن التحدي لا يقتصر على الأفراد الذين يخضعون للمتابعة الأمنية، بل يشمل أيضًا شبكات الاستقطاب الفكري والتنظيمي المرتبطة بجماعات الإسلام السياسي، والتي تمتلك القدرة على بناء دوائر نفوذ داخل بعض الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا.
وأضاف خالد حسن أن القضية لا تتعلق فقط بالتأييد المباشر للتنظيمات الإرهابية، بل تشمل أيضًا مواقف وأفكارًا يعتبرها متطرفة، مشيرًا إلى أن نسبة المتعاطفين مع حركة حماس داخل بعض الأوساط المسلمة أعلى من نسبة المؤيدين لتنظيم داعش الإرهابي.
دعوات إلى تشديد الإجراءات
ودعا خالد حسن إلى تبني سياسات أكثر تشددًا في التعامل مع المتطرفين، وكان أول اقتراح قدمه يتعلق بمزدوجي الجنسية وترحيل الذين يؤيدون التطرف.
كما دعا إلى استخدام صلاحيات أوسع لترحيل الأشخاص الذين يعلنون تأييدهم للأفكار أو الجماعات المتطرفة، واتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضد من يتبنون مواقف يعتبرها تهديدًا للقيم الأساسية للمجتمع البريطاني.
وطالب أيضًا بمنع المؤيدين للتنظيمات المتطرفة من الترشح للمناصب العامة أو المشاركة في الحياة السياسية.
ورفض اعتبار هذه الإجراءات مناقضة للمبادئ الليبرالية، قائلاً إن الديمقراطية يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد القوى التي تسعى إلى استغلال حرياتها من أجل تقويضها، مستشهدًا بمقولة السياسي الهولندي غيرت فيلدرز: «كل ديمقراطية يجب أن تمتلك أسنانًا».
وفي السياق نفسه، دعا أحمد عطا إلى تشديد الرقابة على المنصات الدعوية والإعلامية المرتبطة بالتنظيمات المتشددة، خصوصًا تلك التي تنشط عبر مواقع التواصل الاجتماعي باللغتين العربية والإنجليزية، مشيرًا إلى أن هذه المنصات باتت تمثل إحدى أهم أدوات الاستقطاب ونشر الخطاب الأيديولوجي داخل أوروبا.
وقال إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التحرك على مسارين متوازيين؛ الأول يتعلق بمراقبة المنصات الدعوية والإعلامية التي تخاطب الجاليات العربية والمسلمة داخل أوروبا، والثاني يرتبط بتشديد الرقابة على شبكات التمويل والجمعيات والمنظمات التي يمكن أن تُستخدم في جمع الأموال أو دعم أنشطة مرتبطة بالتنظيمات المتشددة داخل أوروبا أو خارجها.
وأشار إلى أن دولًا أوروبية عدة بدأت خلال السنوات الأخيرة اتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه جماعات الإسلام السياسي، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بنشاط هذه التنظيمات وشبكاتها.
مشهد تطرف مختلف
وعندما أُنشئ برنامج «بريفنت» عام 2006، كان التهديد الذي صُمم للتعامل معه يتمثل أساسًا في أشخاص ينجذبون إلى الفكر المستوحى من تنظيم القاعدة عبر المساجد أو السجون أو الدعاة المتشددين.
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة منذ ذلك الحين. فإلى جانب استمرار خطر التطرف الإسلامي والتطرف اليميني، ظهرت أشكال جديدة من التطرف تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب الإلكترونية والمنتديات الرقمية.
وتنتشر هذه الأفكار عبر المؤثرين والميمات والرسائل المشفرة والمحتوى الذي تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتمزج بين نظريات المؤامرة والعدمية وسرديات الهوية والانبهار بالعنف.
وخلال عام 2024-2025 كانت الفئة الأكبر من الإحالات لأشخاص لا يحملون أيديولوجية محددة، إذ بلغ عددهم 4917 شخصًا، أي 56% من إجمالي الحالات. كما ارتبطت 469 حالة أخرى بالانبهار بالعنف الشديد أو الهجمات واسعة النطاق دون وجود دافع أيديولوجي واضح.
كما أظهرت البيانات دورًا متزايدًا لعوامل الصحة النفسية والاختلافات العصبية، إذ كان ثلث المحالين إلى البرنامج يعانون من مشكلات في الصحة النفسية، فيما بلغت نسبة المصابين بالتوحد بينهم 14% مقارنة بنحو 1% فقط بين عموم سكان المملكة المتحدة.
ويرى أحمد عطا أن هذا التحول يعكس تغيرًا جوهريًا في طبيعة التطرف وآليات انتشاره مقارنة بما كان عليه الوضع عند إطلاق البرنامج قبل نحو عقدين، مشيرًا إلى أن شبكات الإسلام السياسي والتنظيمات العابرة للحدود باتت تعتمد بصورة متزايدة على الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في عمليات الاستقطاب والتجنيد ونشر الخطاب الأيديولوجي.
وأضاف أن استمرار تمدد هذه الشبكات داخل بعض الدول الأوروبية يفرض على الحكومات تطوير أدوات أكثر فاعلية لمواجهة الاستقطاب الفكري والتنظيمي، خصوصًا مع قدرة هذه الجماعات على إعادة إنتاج نفسها عبر واجهات ومنصات مختلفة.
وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل مراجعة سياساتها تجاه جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات المرتبطة بها، في ظل تنامي المخاوف من تأثيرها على الأمن والاستقرار المجتمعي.
وفي هذا السياق، حذر من استمرار التوسع الأفقي لشبكات الإسلام السياسي داخل أوروبا، معتبرًا أن تجاهل هذه الظاهرة قد يفتح المجال أمام مزيد من عمليات الاستقطاب والتأثير داخل بعض الجاليات، ويزيد من تعقيد التحديات الأمنية والفكرية التي تواجهها الدول الأوروبية.
ويواجه برنامج «بريفنت» بذلك اليوم بيئة مختلفة جذريًا عن تلك التي أُنشئ من أجلها قبل نحو عقدين، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة في مشهد التطرف، والتعامل مع تهديدات لم تعد تقتصر على التنظيمات التقليدية، بل تشمل أيضًا شبكات ومنصات وأدوات جديدة تتطور باستمرار.