عرافة وغسل أموال.. أزمات تضرب الرجل الثاني بأوكرانيا
حتى أواخر العام الماضي كان أندريه يرماك، الذي أمضى قرابة 6 سنوات رئيساً للديوان الرئاسي الأوكراني، الرجل الثاني في بلاده، والممسك بخيوط السلطة من وراء الكواليس.
أما اليوم، فيرتدي سواراً إلكترونياً في كاحله، بعد أن انحدر نفوذه إلى درجة لم يتنبأ بها حتى منجّمه الشخصي، على حد تعبير معارضيه، ليجمع تبرعات الكفالة من مئات المؤيدين بعد اتهامه باختلاس ملايين الدولارات وغسلها عبر مشروع سكني فاخر خارج كييف، بحسب صحيفة نيويورك تايمز.
بدأت القصة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حين داهم المحققون منزل يرماك ومكتبه في إطار تحقيق واسع في الفساد طال عددا من المقربين من زيلينسكي. استقال الرجل فجأة، وأعلن براءته، ثم اختفى عن الحياة العامة، بينما سارع الرئيس فولوديمير زيلينسكي إلى النأي بنفسه علناً عن أقرب حلفائه.
لكن قضايا الفساد في أوكرانيا لا تموت، بل تدخل في سبات مؤقت، وهو ما تأكد حين عاد يرماك إلى الواجهة الشهر الماضي مكبلاً بالأغلال، في تهم غسل أموال تفوق غرابتها ما اعتاده الأوكرانيون من فضائح متوالية.
لم تقتصر اتهامات الادعاء العام على المال، بل امتدت إلى ما هو أكثر غرابة: فزعم المحققون أن الرجل الذي كان يدير دهاليز القرار الأوكراني كان يستشير بانتظام عرافة تدعى فيرونيكا أنيكيفيتش في تعيينات كبار المسؤولين وقرارات سياسية مصيرية، ويحمل رقمها في هاتفه تحت مسمى "مكتب فيرونيكا فنغ شوي".
وأثارت التفاصيل عاصفة برلمانية، إذ قدم مشرعون غاضبون تشريعاً لحظر خدمات الشعوذة، واستدعوا العرافة نفسها للإدلاء بشهادتها، وإن لم تمثل بعد.
ينفي يرماك (54 عاماً) بشكل قاطع تهم الفساد وتهم استشارة العرافة معاً، لكن الواقع المرير لسقوطه تجلى في مشهد لم يألفه الأوكرانيون من الرجل الذي كان يوصف بالمهندس الخفي للحرب، فقد لجأ إلى مناشدة مؤيديه لجمع مبلغ الكفالة البالغ 3.5 مليون دولار، واستغرق الأمر عدة أيام حتى تمكن نحو 300 شخص وشركة من توفير المبلغ.
وهو الآن ممنوع من مغادرة كييف دون إذن مباشر من المحققين، وإن كان قد صرح لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية بأنه في طريقه إلى الخطوط الأمامية لدعم القوات الأوكرانية، في تناقض لافت مع قيود الإقامة الجبرية المشروطة.
تأتي محنة يرماك لتشكل قنبلة سياسية موقوتة في توقيت حساس بالنسبة لزيلينسكي، الذي استعاد لتوه توازنه بعد عام مضطرب تخللته إخفاقات ميدانية وضغوط أمريكية لإنهاء الحرب.
غير أن ثمة مفارقة لافتة في هذه القضية، إذ يرى محللون ونواب ودبلوماسيون أن اعتقال يرماك لم يقوض جهود أوكرانيا في مكافحة الفساد، بل ربما عزز مصداقيتها في ملف أساسي لحملتها العاجلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
ويقول النائب أولكسندر ميريزكو، رئيس لجنة الشؤون الخارجية: "هذا أمر جيد.. إذا لم نحارب الفساد، فلن نشهد مثل هذه الفضائح، مما يعني أن نسيج المجتمع لا يزال حياً".
في هذه الأثناء، ينشغل الأوكرانيون بتهديدات أشد إلحاحاً: ضربات روسية جديدة محتملة على كييف، ومخاوف متزايدة من نفاد صواريخ الاعتراض القادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية. لكن قصة يرماك لم تنته بعد، فهو سيعود إلى المحكمة، وقد تمثل العرافة أمام المشرعين، وستستمر التساؤلات حول طبيعة تواصله، إن وجد، مع صديقه القديم زيلينسكي.
وبين قصر "فوفا" ومكتب "فيرونيكا فنغ شوي"، تبقى الحكاية شاهداً على هشاشة السلطة حتى في زمن الحرب، وعلى أن الكفالة قد تكون الثمن الأول لسقوط مهندس القرار من عليائه.