على مسار توحيد الجيش الليبي.. سرت تجمع قيادات عسكرية من الشرق والغرب (خاص)
في تطور لافت على مسار توحيد الجيش الليبي، احتضنت مدينة سرت، اجتماعا بين قيادات عسكرية من الشرق والغرب.
وحضر الاجتماع رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة العربية الليبية -شرق البلاد، خالد حفتر، ورئيس الأركان العامة للجيش الليبي -غرب ليبيا، صلاح الدين النمروش، بحضور نائبة المبعوثة الأممية إلى ليبيا ستيفاني خوري، وأعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5)، ولجنة (3+3)، إلى جانب رؤساء الأركان النوعية وعدد من القيادات العسكرية.
ويعقد الجانبان في سرت سلسلة اجتماعات بحضور مشايخ وأعيان المدينة، وعدد من القيادات الأمنية والعسكرية، وفق بيانات صادرة عن الجانبين.
اتفاق على خطوات عملية
وبحسب بيان رئاسة أركان المنطقة الغربية، ركز الاجتماع على سبل تعزيز وحدة المؤسسة العسكرية، مع التأكيد على أن الجيش الموحد يمثل الضامن لحماية ليبيا وصون حدودها وتعزيز أمنها واستقرارها.
واتفق خلال الاجتماع على تنظيم تمرين تعبوي عسكري موحد في إحدى مناطق الجنوب، بمشاركة منتسبين من مختلف تشكيلات الجيش الليبي، في خطوة تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق والعمل المشترك بين الوحدات العسكرية.
كما ناقش المجتمعون آليات دعم منتسبي المؤسسة العسكرية، وتسوية أوضاعهم الإدارية والمالية، والإذن لرؤساء الأركان النوعية بعقد اجتماعات دورية مع إداراتهم، بما يسهم في تطوير الأداء المؤسسي وتعزيز التنسيق بين مختلف التشكيلات.
استكمال لمسار قائم
ولا يُنظر إلى اجتماع سرت باعتباره حدثاً منفصلاً، بل يأتي امتداداً لمسار متواصل من التقارب العسكري بين شرق البلاد وغربها، تقوده اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) بدعم من بعثة الأمم المتحدة، بهدف توحيد المؤسسة العسكرية باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتحقيق الاستقرار في ليبيا.
وشهدت الأشهر الماضية سلسلة لقاءات بين القيادات العسكرية من الجانبين، ركزت على توحيد الهياكل العسكرية، وتعزيز التنسيق الميداني، وتوحيد العقيدة العسكرية، في إطار جهود بناء مؤسسة وطنية بعيدة عن الانقسام.
كما شاركت وحدات عسكرية من مختلف المناطق الليبية في النسخ الأخيرة من مناورات "فلينتلوك (Flintlock)" التي تقودها القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، حيث مثلت تلك المشاركة المشتركة مؤشراً عملياً على تنامي مستوى التنسيق والتعاون بين العسكريين من شرق البلاد وغربها، ورسخت قناعة لدى المراقبين بإمكانية البناء على هذا التعاون للوصول إلى جيش موحد.
مؤشر إيجابي
ويرى المحلل العسكري الليبي، محمد الترهوني، أن اجتماع سرت يمثل مؤشراً إيجابياً على تقدم جهود التقارب العسكري، مشيراً إلى أن اللقاء جاء بعد سلسلة اجتماعات وتحركات مهدت له، وحظيت بترحيب من مختلف الأطراف.
وقال الترهوني في تصريحات لـ"العين الإخبارية" إن وجود مؤسستين عسكريتين في دولة واحدة لا يمكن أن يستمر، مؤكداً أن توحيد الجيش يمثل واجباً وطنياً في ظل ما تواجهه ليبيا من تحديات أمنية داخلية وخارجية.
وأضاف أن البلاد تمر بمرحلة مفصلية تتطلب توحيد الجهود لحماية الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، مشدداً على ضرورة الانتقال من خطاب الانقسام والكراهية إلى خطاب التوافق والعمل الوطني المشترك، معتبراً أن ما تحقق في سرت يمثل قاعدة ينبغي البناء عليها للوصول إلى مصالحة وطنية شاملة.
رسالة إلى الداخل والخارج
من جهته، اعتبر المحلل السياسي الليبي، عمر بوسعيدة، أن لقاء سرت يحمل رسائل سياسية وأمنية مهمة، تؤكد أن التعاون بين أبناء المؤسسة العسكرية أصبح الخيار الأكثر واقعية لترسيخ الأمن وتعزيز سيادة الدولة.
وأوضح في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن الاتفاق على تنفيذ تمرين عسكري موحد في الجنوب يعد خطوة استراتيجية تتجاوز التصريحات إلى إجراءات ميدانية عملية، بما يعكس وجود إرادة حقيقية لتعزيز التنسيق العسكري.
وأضاف أن توحيد المؤسسة العسكرية لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح شرطاً أساسياً لبناء دولة ليبية مستقرة وقادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها، مؤكداً أن نجاح هذا المسار من شأنه أن ينعكس إيجاباً على بقية الملفات السياسية والأمنية.
اختبار جديد
ويأتي اجتماع سرت في وقت تتواصل فيه الجهود المحلية والأممية لإعادة توحيد المؤسسات السيادية الليبية، وسط قناعة متزايدة بأن نجاح المؤسسة العسكرية في تجاوز الانقسام قد يشكل مدخلاً لتقريب وجهات النظر في بقية الملفات الوطنية.
ويتفق بوسعيدة والترهوني على أن الاتفاق على تنفيذ تمرين عسكري موحد، إذا تُرجم إلى خطوات عملية على الأرض، قد يمثل محطة جديدة في مسار بناء الثقة بين القيادات العسكرية، ويفتح الباب أمام مزيد من الإجراءات التي تقرب ليبيا من هدف طال انتظاره، يتمثل في قيام مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، تتولى حماية البلاد بعيداً عن الانقسامات السياسية.