التحليلات

زيارة السيسي إلى واشنطن..الثابت والمتغير في العلاقات المصرية الأمريكية

الثلاثاء 2019.4.9 07:28 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 342قراءة
  • 0 تعليق
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ونظيره الأمريكي دونالد ترامب

تأتي زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، اليوم، للبيت الأبيض، ضمن تحول فعال في العلاقات بين البلدين، فهذه الزيارة هي الثانية منذ أداء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليمين الدستورية في يناير/كانون الثاني 2017؛ حيث كانت الأولى في أبريل/نيسان ٢٠١٧. 

 وخلال العامين الماضيين التقى الرئيس المصري نظيره الأمريكي أكثر من مرة؛ حيث التقيا بالرياض في مايو/أيار ٢٠١٧ أثناء أول زيارة خارجية لترامب بعد توليه المنصب رسمياً وعقد القمة الأمريكية-العربية، ولقائهما خلال زيارة السيسي الولايات المتحدة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال عامي ٢٠١٧ و٢٠١٨، ناهيك من الاتصالات التليفونية المتعددة بين الرئيسيين لمناقشة القضايا والأزمات الإقليمية، فضلاً عن زيارات مسؤولين سياسيين (في مقدمتهم نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس في يناير ٢٠١٨)، وعسكرين ومشرعين أمريكيين للقاهرة ولقائهم الرئيس المصري.

يعكس زخم الزيارات المصرية والأمريكية المتبادلة، والتواصل النشط والفعال بين مسؤولي البلدين، التحول الذي تشهده العلاقات الأمريكية-المصرية بعد أربع سنوات من التوتر والجمود، خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، التي لم تؤيد التحولات السياسية المصرية في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو/حزيران ٢٠١٣. فمع نجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٦، عادت العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، وكونها علاقات بين حليفين وشريكين استراتيجيين، يسعيان كل منهما إلى توطيد علاقته مع الآخر.

بيد أن هذا لا يعني عدم وجود خلافات حيال عدد من قضايا العلاقات بين البلدين، لاختلاف مصالحهما، ورؤيتهما للتحولات والأزمات الإقليمية، ولكنها لا تؤدي إلى توتر جديد في العلاقات.

توقيت الزيارة

تأتي زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة في وقت تشهد فيه البيئة السياسية الأمريكية تحولين رئيسيين. يتمثل أولهما في زيادة قوة والنفوذ السياسي للرئيس الأمريكي ترامب، بعد عامين من اتهامات متعددة وجهت له بأنه نجح في انتخابات الثامن من نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٦ بدعم روسي، وأن حملته الانتخابية كانت على اتصال مع العدو الاستراتيجي لدولته (روسيا)، وأنه عرقل مسار العدالة الأمريكية؛ حيث خلص تقرير المحقق الخاص بشأن مزاعم التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠١٦ "روبرت مولر"، الذي قدم ملخصه وزير العدل الأمريكي وليام بار للكونجرس، إلى أنه لم يحدث تآمر بين حملة ترامب للانتخابات الرئاسية وموسكو؛ حيث لم يجد المحقق الخاص أن أي شخص أمريكي أو أياً من أعضاء حملة الرئيس تعاون عن علم مع روسيا.

ويتمثل التحول الثاني في فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس التي أجريت في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ما جعل لهم دوراً مؤثراً في عملية صنع القرار الأمريكي الخارجي، لا سيما أن الكثير من الأعضاء الجدد بالمجلس يهتمون بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية مثل توم مالينوفسكي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمال، خلال إدارة الرئيس أوباما، في الوقت الذي لا تولي فيه إدارة ترامب كالإدارات الأمريكية الجمهورية والديمقراطية السابقة أهمية لهذا الملف، وهو الأمر الذي انعكس في تخفيضاتها للمخصصات المالية المخصصة لبرامج وزارة الخارجية لقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية في الخارج.

رغم أن الكونجرس ليس هو الفاعل الرئيسي في عملية صنع القرار الأمريكي الخارجي، فإنه يملك جملة من الصلاحيات التي تمكنه من التأثير على السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما سلطته في توفير المخصصات المالية للإدارة الأمريكية لتنفيذ سياستها الخارجية.

وتتزامن الزيارة مع مرور أربعة عقود على معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية لعام ١٩٧٩ التي تعد أهم إنجازات الدبلوماسية الأمريكية، لتعزيز عملية السلام العربية-الإسرائيلية، التي كان من شأنها تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وفي وقت تخطط فيه الإدارة الأمريكية الإعلان عن رؤيتها لعلمية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية التي تعرف إعلامياً بـ"صفقة القرن".

وعلى الصعيد المصري، تأتي الزيارة في وقت يناقش فيه البرلمان المصري بعض التعديلات على دستور عام ٢٠١٤، ونجاح الحملة التي تشنها السلطات المصرية الأمنية والعسكرية للقضاء على التنظيمات الإرهابية على الحدود الشرقية والغربية، الذي انعكس في تراجع عدد العمليات الإرهابية، خلال العام الماضي، مقارنة بالأعوام السابقة. وكذلك عودة فاعلية السياسة الخارجية المصرية بعد سنوات من التركيز على الداخل في أعقاب ثورتي الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني ٢٠١١ والثلاثين من يوينو/حزيران ٢٠١٣.

ففي يناير/كانون الأول الماضي استضافت مصر منتدى دولياً حول غاز شرق المتوسط. وفي فبراير/شباط من العام الجاري تولت القاهرة رئاسة الاتحاد الأفريقي لمدة عام. وفي الشهر نفسه استضافت مدينة شرم الشيخ أول قمة عربية–أوروبية؛ حيث ناقش المسؤولون قضايا الإرهاب والهجرة والحاجة إلى تعاون أوروبي- عربي أكبر لمواجهة الاهتمام الصيني والروسي المتزايد بمنطقة الشرق الأوسط في وقت تنسحب فيه الولايات المتحدة من الانخراط الكثيف فيها.

قضايا استراتيجية

ويركز اللقاء الذي سيجمع الرئيسين المصري والأمريكي في البيت الأبيض، اليوم، على جملة من القضايا الاستراتيجية الدولية، التي كانت محور زيارات الرؤساء المصريين السابقين للولايات المتحدة، ويأتي في مقدمتها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومصر؛ حيث تمثل القاهرة تاريخياً دولة استراتيجية مهمة للمصالح والأمن والقومي الأمريكي، لموقعها الجيوستراتيجي، وعدد سكانها، ومكانتها الدبلوماسية، ولدورها الإقليمي في حفظ أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي تخطط فيه الإدارة الأمريكية للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط التي تراجعت أولوياتها على الأجندة الأمريكية، ونقل مهمة أمن واستقرار المنطقة التي كانت مسؤولية أمريكية في السابق إلى دول المنطقة، فإن أهمية مصر بالنسبة للولايات المتحدة ستتزايد لأهميتها التاريخية كقوى إقليمية رئيسية دعامة للاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، ولعدم انخراطها في الصراعات والأزمات التي تموج بها المنطقة مثل كثير من الدول العربية الأخرى. فهي بحسب العديد من المسؤولين والخبراء الأمريكيين يدها غير ملطخة بالدماء، ما يسمح لها بلعب دور مؤثر في حفاظ أمن واستقرار المنطقة، وسيعزز من هذا الدور عودة مصر للعب دورها الإقليمي بعد سنوات من التراجع، ونفوذها السياسي وقوتها العسكرية في وقت تتفكك فيه الجيوش الرئيسية في المنطقة نتيجة الصراعات السياسية والحروب الأهلية.

وسيكون محور الجهود المصرية في مكافحة الإرهاب على أجندة اللقاء، في ضوء إشادة الرئيس الأمريكي بجهود نظيره المصري في مجابهة الإرهاب وتجديد الخطاب الديني، لا سيما مع اهتمام الإدارة الأمريكية بضرورة استمرار الجهود العربية عامة والمصرية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، لأن فقدان سيطرة تنظيم داعش على الأراضي التي كان يسطر عليها في العراق وسوريا لا تعني نهايته.

وخلال العامين المنصرمين عملت الإدارة الأمريكية والحكومة المصرية على استعادة حيوية العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التراجع، والتدريبات العسكرية المشتركة، ومبيعات الأسلحة الأمريكية.

وفي هذا الشأن أبلغت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) الكونجرس في نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٨ بصفقة بيع كبيرة لمعدات دفاع بقيمة مليار دولا لمصر، من ضمنها عشرة طائرات أباتشي التي تستخدمها القوات المسلحة المصرية في مجابهة التنظيمات الإرهابية على حدودها الغربية.

وفي ميزانية العام المالي ٢٠١٩ خصص الكونجرس مساعدات أمريكية لمصر تقدر بـ١,٤ مليار دولار منها ١,٣ مليار دولار المساعدات العسكرية السنوية لمصر التي لم تتغير منذ اتفاقية السلام المصرية-الإسرائيلية، وهو نفس المبلغ الذي خصص في ميزانية العام المالي ٢٠١٨. وفي الميزانية المقترح للعام المالي ٢٠٢٠ طلب الرئيس الأمريكي تخصيص ١,٣٨٢مليار دولار كمساعدات لمصر.

ملفات خلافية

رغم تركيز الزيارة على المحاور الاستراتيجية في العلاقات بين البلدين، والتي تخدم في المقام الأول العلاقات الأمنية ومصالح والأمن القومي للدولتين، فإن هناك العديد من القضايا التي قد تركز عليها افتتاحيات الصحف الأمريكية وتحليلات المحللين والكتاب الأمريكيين، والمشرعين الأمريكيين الذين يدعون إلى إعادة مراجعة العلاقات الأمريكية - المصرية، وقد يتم مناقشتها داخل الأبواب المغلقة بين المسؤولين المصريين، ولكنها لن تتصدر تصريحات المسؤولين الأمريكيين والمؤتمرات الصحفية، أبرزها يتعلق بالرؤية الأمريكية لعملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية. رغم عدم الإعلان الرسمي عنها، فإن بعض التسريات تكشف أنها قد لا تنسجم في أجزاء منها مع الرؤية المصرية المستقرة منذ عقود لعلمية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي تقوم على عدم المساس بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وحل الدولتين، وقرارات الشرعية الدولية. فرؤية الرئيس الأمريكي لعلمية السلام تمثل قطيعة مع سياسة أمريكية تقليدية حافظ عليها جميع الرؤساء الأمريكيين الديمقراطيين والجمهوريين على مدى عقود تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي؛ حيث يتبنى سياسة متحيزة بشدة لليمين الإسرائيلي، الذي يهدف إلى حسم قضايا الحل النهائي من جانب واحد، وتصفية القضية الفلسطينية من مضمونها.

ورغم أن خطة السلام المزمع الإعلان عنها في القريب تعكس رؤية الرئيس الأمريكي الذي يعيد صياغة التوجهات التقليدية للسياسة الخارجية لدولته وفقاً لرؤيته، فإن لقاء الرئيس السيسي معه قد يسمح بإحداث بعض التغييرات على تلك الخطة قبل الإعلان عنها بما يتوافق مع الرؤية المصرية والعربية، وبما يمكنها من لعب دور مؤثر في تنفيذها.

مستقبل العلاقات

يبقى القول إنه رغم اختلاف وجهات النظر - في بعض الأوقات - بين الولايات المتحدة ومصر حول بعض قضايا منطقة الشرق الأوسط، إلا أن ذلك لا يعني عودة أجواء التوتر في العلاقات بين البلدين التي استمرت حتى عام 2014؛ وذلك لرغبة الرئيسيين في استعادة العلاقات زخمها مجدداً، وهو الزخم الذي تراجع خلال الإدارة الأمريكية السابقة.

وتكشف عودة دورية زيارة الرئيس المصري للولايات المتحدة التي توقفت سنوات، عودة العلاقات الأمريكية-المصرية إلى سابق عهدها، لا سيما في ظل إدراك طرفيها لأهمية الآخر. فالولايات المتحدة في الوقت الذي تخطط فيه للانسحاب من منطقة الشرق الأوسط ستكون في أمس الحاجة للدور الإقليمي المصري النشط لموازنة القوى والدول المناوئة لها بالمنطقة، وللحفاظ على الأمن والاستقرار الذي هو مصلحة أمريكية، وكذلك لدور مصري المؤثر في عملية السلام المزمع الإعلان عنها.

وفي المقابل، فإن مصر رغم سعيها إلى تنويع علاقاتها الخارجية مع القوى الآسيوية الصاعدة والدول الأوروبية الحليفة للولايات المتحدة فإنها لن تستغني عن واشنطن باعتبارها قطباً دولياً مؤثراً في السياسة الدولية، وفي منطقة الشرق الأوسط، بجانب العلاقات الاستراتيجية والمصالح المشتركة على الأصعدة كافة.

ختام القول، تعكس الزيارة الثانية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى البيت الأبيض منذ تولي الرئيس دونالد ترامب السلطة رسمياً العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، واستعادتها لقوتها بعد سنوات من التراجع رغم اختلاف الرؤية والمصالح الأمريكية والمصرية في منطقة الشرق الأوسط، وعدم وجود سفير للولايات المتحدة بالقاهرة منذ الثلاثين من يونيو/حزيران 2013.

تعليقات