خارج سيطرة الكبار.. تحالفات معقدة تعيد رسم خريطة المعادن الحرجة عالميا
تتسارع التحركات الدولية لإعادة تشكيل سلاسل إمداد المعادن الحرجة حول العالم.
وفي وقت تتزايد فيه المخاوف من هيمنة الصين على قطاع المعادن النادرة، تتزايد محاولات أمريكية مكثفة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبناء تحالف عالمي يحد من النفوذ الصيني في هذا المجال الاستراتيجي. لكن المفارقة أن العديد من الدول باتت تنظر أيضًا إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا غير مستقر، مما دفعها إلى البحث عن بدائل وتحالفات جديدة خارج قطبي واشنطن وبكين.
وتعد المعادن الحرجة، التي تشمل أكثر من 60 مادة خام أساسية للصناعات التكنولوجية والطاقة والدفاع، من أهم عناصر الصراع الجيوسياسي الحالي، خاصة مع اعتماد الصناعات الحديثة مثل السيارات الكهربائية والبطاريات وأشباه الموصلات على هذه الموارد الحيوية.
وخلال الأشهر الأخيرة، سعت إدارة ترامب إلى تقليص الاعتماد على الصين عبر طرح فكرة إنشاء تكتل عالمي لتجارة المعادن الحرجة، يضم عشرات الدول المنتجة والمستهلكة. غير أن السياسات التجارية الأمريكية، بما في ذلك الرسوم الجمركية المتقلبة والخلافات التجارية مع الحلفاء، أثارت حالة من عدم الثقة لدى العديد من الشركاء التقليديين لواشنطن.
الابتعاد عن القوتين
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الأجواء دفعت عددًا متزايدًا من الدول إلى بناء شبكات تعاون ثنائية ومتعددة الأطراف بعيدًا عن كل من الصين والولايات المتحدة. ونقل تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي عن كولين هندريكس، الباحث بمعهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن العالم يشهد ظهور “شبكة معقدة من اتفاقيات المعادن الحرجة لا ترتبط مباشرة بأي من القوتين العظميين”، في إشارة إلى سعي الدول لتقليل المخاطر السياسية الناتجة عن الانحياز لأي طرف.
وفي هذا السياق، عززت أستراليا واليابان تعاونهما في قطاع المعادن الحرجة قبل أيام، ضمن سلسلة اتفاقيات تهدف إلى حماية اقتصادهما من الصدمات المستقبلية وتأمين سلاسل الإمداد. كما كثفت اليابان تعاونها مع بريطانيا وفرنسا، بينما عززت كندا شراكاتها مع أستراليا وفرنسا وجرينلاند لتأمين الموارد الاستراتيجية.
وتشير هذه التحركات إلى اتجاه عالمي متنامٍ نحو تنويع مصادر المعادن وتقليل الاعتماد على أي قوة منفردة، سواء كانت الصين التي تسيطر على نسبة كبيرة من إنتاج ومعالجة المعادن النادرة، أو الولايات المتحدة التي أصبحت سياساتها التجارية محل شك لدى بعض الحلفاء.
كما امتدت هذه التحالفات إلى دول خارج مجموعة السبع، حيث وقّعت كل من بوتسوانا وسلطنة عُمان اتفاقيات للتعاون في استكشاف المعادن والطاقة، بينما أبرمت الهند والبرازيل اتفاقية تعدين جديدة تستهدف تعزيز الاستثمارات المشتركة ونقل التكنولوجيا.
وأكد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا أن بلاده لا ترغب في البقاء مجرد مصدر للمواد الخام، مشددًا على أهمية الشراكات التي تتضمن نقل التكنولوجيا وخلق قيمة مضافة محلية.
مساعٍ أمريكية مستمرة
في المقابل، تواصل واشنطن جهودها لتشكيل تحالفات عالمية في هذا القطاع، حيث نظمت الإدارة الأمريكية أول مؤتمر وزاري للمعادن الحرجة في فبراير/شباط الماضي بمشاركة أكثر من 55 دولة. وأسفر الاجتماع عن توقيع 27 اتفاقية تعاون، بحسب مسؤولين أمريكيين، وذلك بهدف تقوية سلاسل الإمداد العالمية وتقليل النفوذ الصيني.
وترى الإدارة الأمريكية أن الصين تمتلك “احتكارًا خطيرًا” للمعادن التي ستشكل أساس اقتصاد القرن الحادي والعشرين، خاصة في ظل اعتماد الصناعات المتقدمة والطاقة النظيفة على هذه المواد.
لكن خبراء يحذرون من أن الدول المشاركة تحاول السير على خيط دقيق بين التعاون مع واشنطن وتجنب إثارة غضب بكين، التي سبق أن استخدمت سيطرتها على المعادن النادرة كورقة ضغط في النزاعات التجارية.
وفي خطوة لافتة، وقّع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفاقية جديدة لتعزيز التعاون في مجال المعادن الحرجة، تشمل التنسيق بشأن سلاسل التوريد والأسعار والاستثمارات المشتركة. إلا أن بروكسل، في الوقت ذاته، وسعت اتفاقياتها مع أستراليا وجنوب أفريقيا وشركاء آخرين، في إشارة واضحة إلى عدم الرغبة في الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.
ويرى مراقبون أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة من “الدبلوماسية المعدنية”، حيث أصبحت الموارد الطبيعية عنصرًا أساسيًا في تشكيل التحالفات الاقتصادية والسياسية، بالتزامن مع تصاعد المنافسة العالمية على التكنولوجيا والطاقة النظيفة وسلاسل التصنيع المستقبلية.