من «أوركا» إلى أسراب الروبوتات.. أمريكا ترسم خريطة السيطرة على البحار
تتجه البحرية الأمريكية نحو إحداث تحول جذري في مفهوم الحرب تحت سطح البحر.
يجري هذا التحول عبر بناء منظومة متكاملة من الغواصات والمركبات غير المأهولة المصممة للعمل في مختلف البيئات البحرية، بدءا من أعالي المحيطات إلى المضائق والممرات الاستراتيجية الضيقة.
ويعكس هذا التوجه، بحسب مجلة "ناشيونال إنترست"، قناعة متنامية داخل المؤسسات العسكرية الأمريكية بأن مستقبل التفوق البحري لن يعتمد فقط على الغواصات التقليدية المأهولة باهظة الثمن، بل على شبكات واسعة من المنصات الذكية القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والردع والقتال بكلفة أقل ومرونة أكبر.
ويستند هذا التصور إلى هيكل عملياتي ثلاثي المستويات يضم فئات مختلفة من المركبات غير المأهولة تحت الماء، تتكامل فيما بينها لتشكيل شبكة مراقبة وعمليات مستمرة في أكثر المناطق البحرية حساسية حول العالم.
ففي قمة هذا الهرم تأتي الغواصات المسيّرة العملاقة، المصممة للعمل بشكل مستقل لفترات طويلة داخل البيئات المعادية وعالية الخطورة. وتبرز ضمن هذه الفئة غواصة "أوركا" التي طورتها شركة بوينغ، والتي تتمتع بمدى تشغيلي واسع وقدرة على حمل معدات متنوعة تشمل الألغام البحرية وأنظمة الحرب الإلكترونية والمركبات الأصغر حجماً.

كما تعمل وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة الأمريكية على مشروع "مانتا راي"، الذي يركز على تطوير منصات قادرة على البقاء لفترات طويلة في أعماق البحار مع استهلاك محدود للطاقة قبل الانتقال إلى تنفيذ المهام المطلوبة.
أما المستوى الثاني فيتمثل في المركبات التكتيكية المتوسطة التي تؤدي دور المستشعرات المتقدمة والقوة الاستطلاعية المساندة للغواصات والسفن الحربية.
وتُستخدم هذه الأنظمة في مهام الكشف عن الألغام ورسم الخرائط البحرية وجمع المعلومات الاستخباراتية والبيئية، بما يتيح للقادة العسكريين بناء صورة دقيقة عن ساحة العمليات قبل الدفع بالقطع البحرية المأهولة إلى المناطق الخطرة.
ويمنح هذا النوع من المنصات البحرية الأمريكية قدرة أكبر على تقليل المخاطر ورفع مستوى الوعي الميداني دون تعريض الأطقم البشرية للتهديدات المباشرة.
ويبرز المستوى الثالث بوصفه الأكثر طموحاً من الناحية العملياتية والاقتصادية، إذ يعتمد على مركبات صغيرة ومنخفضة التكلفة يمكن نشرها بأعداد كبيرة والتضحية بها عند الضرورة.
وتستخدم هذه الأنظمة حالياً في مهام استطلاع الشواطئ وتأمين الموانئ وإزالة الألغام ودعم العمليات الخاصة، فيما تراهن البحرية الأمريكية على توسيع دورها مستقبلاً لتصبح جزءاً أساسياً من أي شبكة قتالية بحرية حديثة.
ويعتمد هذا المفهوم على مبدأ الكثافة العددية وقابلية الاستبدال السريع، بما يشبه الثورة التي أحدثتها الطائرات المسيّرة في الحروب البرية والجوية خلال السنوات الأخيرة.
ويعكس هذا التحول تغيراً أعمق في فلسفة التخطيط العسكري الأمريكي، حيث باتت الكلفة والقدرة على الانتشار الواسع عنصرين حاسمين في بناء القوة البحرية.
فبينما تصل تكلفة الغواصة الهجومية التقليدية من فئة "فرجينيا" إلى مليارات الدولارات، يمكن تشغيل عدد كبير من المنصات غير المأهولة مقابل جزء بسيط من هذه التكلفة، مع تقليص المخاطر المرتبطة بفقدان الأطقم البشرية في البيئات القتالية المعقدة.

ورغم الطموحات الكبيرة، لا تزال هناك تحديات تقنية معقدة تواجه هذا التوجه، أبرزها صعوبة الاتصالات تحت الماء، ومحدودية أنظمة الملاحة في الأعماق، إضافة إلى القيود المفروضة على عمر البطاريات وقدرات التشغيل الطويلة.
ومع ذلك، تبدو المؤشرات واضحة على أن الولايات المتحدة ماضية في بناء شبكة واسعة من المركبات الذكية القادرة على مراقبة المضائق والممرات البحرية الحيوية، من مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي إلى شمال الأطلسي.
وفي ظل تصاعد المنافسة البحرية العالمية، تسعى واشنطن إلى تحويل أعماق البحار إلى فضاء مراقب باستمرار عبر أسراب من الروبوتات الغاطسة وأجهزة الاستشعار المستقلة، بما يضمن كشف التهديدات مبكراً وفرض حضور دائم في نقاط الاختناق البحرية الاستراتيجية.
وبذلك لم يعد الصراع على السيطرة البحرية يقتصر على السفن والغواصات التقليدية، بل دخل مرحلة جديدة عنوانها شبكات ذكية غير مأهولة قد تصبح العامل الحاسم في رسم موازين القوة البحرية خلال العقود المقبلة.