فنزويلا تصارع المجهول.. هل يحسم ترامب مواجهة «أرض النفط»؟
من أرض خصبة تزخر بثروات وكنوز الطبيعة إلى دولة تصارع مصيراً مجهولاً. هكذا يمكننا وصف الحال التي أصبحت عليه فنزويلا اليوم مع تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، وإعلان دونالد ترامب اعتقال رئيس الدولة اللاتينية «نيكولاس مادورو».
أكبر من فرنسا وألمانيا معاً
تقع فنزويلا في أقصى شمال قارة أمريكا الجنوبية، وتتجاوز مساحتها (916445 كيلومتراً مربعاً) مجموع مساحة فرنسا وألمانيا، ويبلغ تعدادها السكاني 30.5 مليون نسمة. يحدها من الشمال البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي، ومن الشرق جويانا، ومن الجنوب البرازيل، ومن الجنوب الغربي والغربي كولومبيا.
العاصمة الوطنية هي كاراكاس، التي تُعد المركز الرئيسي للصناعة والتجارة والتعليم والسياحة.
تدير فنزويلا عدة جزر وأرخبيلات كاريبية منها: جزيرة مارغريتا، ولابلانكيلا، ولاتورطوجا، ولوس روكيس، ولوس مونخيس. ومنذ القرن التاسع عشر، طالبت فنزويلا بحقها في أراضي جويانا الواقعة غرب نهر الإيسيكويبو، وتمثل نحو ثلثي مساحة جويانا.
أرض النفط والثروات الطبيعية
تُعرف فنزويلا بكونها الدولة التي تتربع على أحد أكبر احتياطيات نفطية في العالم؛ حيث يعتمد الاقتصاد الفنزويلي في المقام الأول على إنتاج واستغلال النفط. فمنذ أواخر أربعينيات القرن العشرين وحتى عام 1970، كانت البلاد أكبر مُصدّر للنفط في العالم، كما ظلت لفترة طويلة من أبرز موردي النفط إلى الولايات المتحدة.
ويشكل النفط الركيزة الأساسية للاقتصاد الفنزويلي، إذ يسهم بأكثر من 80% من صادرات البلاد ونحو 17% من ناتجها المحلي الإجمالي، ما يجعل أي ارتفاع في أسعاره ذا أثر إيجابي مباشر على الأداء الاقتصادي.

وشهد إنتاج النفط في فنزويلا نمواً ملحوظاً خلال عامي 2024 و2025. وبلغ الإنتاج الشهري ذروته عند 940 ألف برميل يوميا في فبراير/شباط 2025، أي بزيادة تقارب 100 ألف برميل يومياً مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وتبلغ عائداته السنوية نحو 17.5 مليار دولار.
كما شهد الإنتاج السنوي من النفط الخام في فنزويلا ارتفاعا تدريجيا خلال السنوات القليلة الماضية، ليصل إلى حوالي 960 ألف برميل يوميا في عام 2024 وفقا لمنصة ستاتيستا.

وبحسب وكالة رويترز بلغ متوسط صادرات النفط الفنزويلية 1.09 مليون برميل يومياً في سبتمبر/أيلول 2025، وهو أعلى مستوى شهري منذ فبراير/شباط 2020، وفقا لبيانات الشحن ووثائق من شركة الطاقة الحكومية الفنزويلية.
وقد عانت البلاد من أجل تحقيق الاستقرار في إنتاج النفط وصادراته منذ أن خضعت للعقوبات الأمريكية لكنّ ارتفاع إنتاج النفط الخام ومبيعات المخزونات المتراكمة وزيادة واردات المواد المخففة المستخدمة في إنتاج أنواع النفط الخام القابلة للتصدير عززت شحنات النفط في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وفقا لما أظهرته البيانات والوثائق، حسب رويترز.
وتمتلك فنزويلا احتياطيات نفطية تُقدّر بنحو 303.8 مليار برميل، متجاوزةً بذلك احتياطيات الولايات المتحدة البالغة 38.2 مليار برميل. غير أن هذه الثروة الهائلة لا تنعكس على مستوى الإنتاج الفعلي، الذي يُعد اليوم متواضعا مقارنة بحجم الاحتياطيات وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي". ولعل هذا التباين بين الاحتياطيات وحجم الإنتاج يضع فنزويلا في صلب الاهتمام الأمريكي. وتحتل فنزويلا المرتبة 12 عالمياً من حيث حجم إنتاج النفط، وفقاً لبيانات منصة وورلد ميترز (Worldometers).
- بعد اعتقال مادورو.. قفزات متوقعة في أسعار الذهب والفضة والنفط
- «الرسوم» و«الفيدرالي».. اختباران حاسمان لبرنامج ترامب الاقتصادي في 2026
شعار "زرع النفط"
واعتمدت فنزويلا على عائدات قطاع النفط لتحديث وتنويع قطاعاتها الاقتصادية الأخرى، ولهذا أصبح شعار "زرع النفط" (Sembrando el petróleo) شعاراً وطنياً منذ أربعينيات القرن الماضي. كما ساهم تطوير رواسب غنية من خام الحديد والنيكل والفحم والبوكسيت (خام الألمنيوم)، إضافة إلى الطاقة الكهرومائية، في توسيع الاقتصاد.
خلال ستينيات القرن الماضي، ركزت الحكومات الفنزويلية على سياسات إحلال الواردات، من خلال فرض رسوم جمركية وقائية للحد من استيراد السلع المصنعة، وتقديم إعانات لدعم نمو الصناعات المحلية. ونتيجة لذلك، توسعت الشركات الموجهة للتصدير.
وفي منتصف سبعينيات القرن العشرين، قامت الحكومة بتأميم صناعات الحديد والنفط والغاز، ثم استخدمت عائدات صادرات الوقود الأحفوري لتمويل تحسينات كبرى في البنية التحتية ومشروعات عامة أخرى. وبحلول نهاية القرن العشرين، أصبحت الصناعات الفنزويلية أكثر تنوعاً، وطورت البلاد موارد طبيعية إضافية.
ومع ذلك، تباطأ مشروع "زرع النفط" بشكل كبير بسبب تقلبات أسعار النفط العالمية وحالات الركود الاقتصادي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلى جانب مشكلات داخلية مثل التضخم، وسوء الإدارة، والفساد، ونقص الكوادر المؤهلة.
كما تعرض الاقتصاد لضغوط نتيجة الديون الخارجية الضخمة، وارتفاع معدلات البطالة، والنمو السكاني السريع، والهجرة غير الشرعية. ورغم ذلك، شهد الاقتصاد تعافياً نسبياً في مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تمكنت البلاد بحلول عام 2007 من سداد ديونها الخارجية.
أما الرئيس هوجو تشافيز، الذي انتُخب لأول مرة عام 1998، فقد تبنّى أجندة اقتصادية وسياسية اشتراكية شملت برنامجاً متزايداً للتأميم، طُبق بعد فوزه الساحق في انتخابات عام 2006. وسعياً لتقليص النفوذ الاقتصادي الأمريكي في فنزويلا وبقية أمريكا اللاتينية، استخدم تشافيز ثروة البلاد النفطية لمنح قروض سخية لدول الجوار.
وخلال فترة حكم تشافيز، ساهم سوء الإدارة في تراجع كبير في إنتاج النفط وعائداته. ورغم أن صادرات النفط أصبحت تهيمن بشكل متزايد على الاقتصاد وتراجعت جهود التنويع الاقتصادي، فإن الحكومة فشلت في الاستثمار الكافي في صيانة وتطوير صناعة النفط. وفي الوقت نفسه، واصلت توسيع البرامج الاجتماعية والاقتراض بكثافة.
وعندما انهارت أسعار النفط عالمياً عام 2014، بدأ الاقتصاد الفنزويلي في انهيار حاد؛ إذ انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 75% بين عامي 2014 و2019. كما فاقمت الممارسات السلطوية التي بدأها تشافيز، وكثفها خليفته نيكولاس مادورو، الأزمة من خلال التسبب في فرض عقوبات اقتصادية من الولايات المتحدة ودول غربية أخرى.
وأسفر ذلك عن نقص حاد في الغذاء والدواء، ما أدى إلى أزمة إنسانية تفاقمت بشكل أكبر مع وصول جائحة فيروس كورونا إلى البلاد عام 2020.
حصار أمريكي "اقتصادي"
فرضت أمريكا في وقت سابق حصاراً بحرياً شامل على سفن النفط الخاضعة للعقوبات المتجهة من فنزويلا وإليها، بالتوازي مع قراره تصنيف النظام الفنزويلي منظمة إرهابية أجنبية.
ولطالما اتهم مادورو الولايات المتحدة بالسعي للسيطرة على ثروات بلاده الطبيعية. وتحتل فنزويلا المرتبة الثامنة عالمياً باحتياطي الغاز الطبيعي ويبلغ 201 تريليون قدم مكعب.
وقال الرئيس الفنزويلي خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إن "فنزويلا تُستهدف لأنها تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ورابع أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي، وأكثر من 30 مليون هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة".
وأضاف "لو لم تكن لدينا هذه الثروات ولم نكن في موقع استراتيجي لما ذكر أحد اسم فنزويلا".

وبين التصعيد الأمريكي والرفض الفنزويلي، يرى مراقبون أن الصراع يتجاوز الخلاف السياس التقليدي ليصل إلى جوهره الاستراتيجي: السباق على موارد الطاقة، وتأكيد النفوذ في الفناء الخلفي للولايات المتحدة.
وأسهمت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة لأول مرة عام 2015 خلال إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما، على خلفية انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان، في عزل فنزويلا إلى حد كبير عن الاستثمارات الأجنبية، وحرمان قطاعها النفطي من التقنيات والمعدات وقطع الغيار الأساسية التي يحتاجها للحفاظ على قدراته الإنتاجية، وفقا لنفس المصدر.
تُعد الصين أكبر مستورد للنفط الفنزويلي في العالم، إذ تجاوزت وارداتها 600 ألف برميل يومياً خلال شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري، وهو ما يمثل نحو 4% من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وفقا لوكالة رويترز.
وفي عام 2024، بلغت واردات الصين من فنزويلا نحو 1.6 مليار دولار وشكّل النفط ومشتقاته (الوقود المعدني والزيوت ومنتجات التقطير) نحو 1.05 مليار دولار منها، وفقًا لقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية (COMTRADE).
وتشير منصة تريدنغ إيكونوميست (Trading Economics) إلى أن بيانات واردات الصين من فنزويلا، جرى تحديثها آخر مرة في ديسمبر/كانون الأول 2025.
وتأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بين مستوردي النفط الفنزويلي، إذ استوردت نحو 222 ألف برميل يوميا خلال عام 2024.
أما القارة الأوروبية فبلغت وارداتها قرابة 75 ألف برميل يوميا.
فيما حلّت الهند في المرتبة الرابعة بواردات تقدر بنحو 63 ألف برميل يوميا خلال العام نفسه، وذلك وفقا لبيانات منصة ستاتيستا.
وتكشف أزمة فنزويلا مع إدارة ترامب عن هشاشة الاقتصاد المعتمد على النفط أمام الضغوط السياسية والعقوبات الخارجية، رغم ضخامة الاحتياطيات. كما تؤكد أن غياب التنويع الاقتصادي والإصلاحات الهيكلية يجعل أي صدمة خارجية تتحول سريعا إلى أزمة معيشية وإنسانية واسعة النطاق.
مناجم الذهب في قلب الصراع
وتتصدر فنزويلا قائمة الدول التي تمتلك أكبر احتياطيات من الذهب في أمريكا اللاتينية، بإجمالي 161 طناً، وفقاً لتقرير صدر عن مجلس الذهب العالمي في يناير/كانون الثاني 2025. وتعتبر هذه الاحتياطيات ضرورية للاقتصاد الفنزويلي؛ حيث تعمل كدعم ضد تقلبات عملتها والأزمات الاقتصادية، وفقاً لتقرير نشرته صحيفة "الكرونيستا" البرازيلية.
ويأتي معظم هذه الاحتياطيات من منطقة "أورينوكو" للتعدين، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية. تشتهر مناطق مثل كالاو ونهر كويوني بنقاء الذهب المستخرج منها، مما يمنح فنزويلا ميزة تنافسية في المنطقة.
فيما يقدر احتياطي الذهب غير المستخرج في فنزويلا بأكثر من 7 آلاف طن بقيمة تقارب تريليون دولار.
وتجتذب مناجم الذهب في فنزويلا المافيات والعصابات العالمية بسبب الانهيار الاقتصادي في البلاد، وارتفاع أسعار الذهب، والافتقار إلى سيادة القانون، مما يخلق بيئة مثالية للجريمة المنظمة.
منذ إطلاق مرسوم "قوس التعدين في أورينوكو" جنوبي فنزويلا، تحوّل الإقليم إلى واحد من أكبر اقتصاديات الظل في أمريكا اللاتينية.
وتوثق تقارير "هيومن رايتس ووتش" والأمم المتحدة و"مجموعة الأزمات الدولية" سيطرة عصابات مسلّحة وميليشيات محلية، وأحياناً وحدات من الجيش، على مواقع استخراج الذهب، مع انتهاكات ممنهجة تشمل الاستعباد والعمل القسري والابتزاز والقتل.
هذه المنظومة لا تقتصر على هذا الإقليم فقط وفقا للتقارير؛ إنها شبكة تمتد في ولايتي بوليفار وأمازوناس، وتوفّر تمويلاً لمجموعة واسعة من الفاعلين غير الرسميين داخل وخارج الدولة.
يؤكد رصد أكاديمي وصحافي (LSE، CSIS، MAAP) ترسّخ حضور جماعات كولومبية مسلّحة (فصائل منشقّة عن تنظيم "فارك" الكولومبي المسلح)، إلى جانب عصابات فنزويلية "برانيس" على طرق المناجم والأنهار، حيث تتقاطع تجارة الذهب مع تهريب المخدرات والبشر والوقود.
وفي بعض المناطق، يوثّق الرصد تنسيقاً أو غض طرف من سلطات محلية وعسكرية، ما حوّل "القوس" إلى "بقعة سوداء" خارجة عن حكم القانون. وحتى عندما شنّت الحكومة عمليات إخلاء في "ياباكانا" أواخر 2022، عادت الأنشطة غير القانونية للواجهة في 2025، بحسب صور الأقمار الاصطناعية.
وفرضت الولايات المتحدة عقوبات على قطاع الذهب الفنزويلي منذ عام 2018، باعتباره "رافعة لتمويل أنشطة غير مشروعة" ودعم شبكات إجرامية. وفي 2024–2025 صعّدت واشنطن خطابها وإجراءاتها الأمنية في الكاريبي، وأطلقت النار على قوارب قالت إنها تُهرّب مخدرات من وإلى فنزويلا، بالتوازي مع زيادة الوجود البحري.
كنز استراتيجي للمعادن النادرة
تمتلك فنزويلا ثروة معدنية استراتيجية كبيرة تبرز في إطار العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة التي تلعب دورًا متصاعدًا في الاقتصاد العالمي الحديث، لكن واقع الإنتاج والاستغلال لا يزال غير متكافئ مع الإمكانات الجيو-جيولوجية الكبيرة. تقع أغلب هذه الثروات في منطقة “Arco Minero del Orinoco” (قوس التعدين في أورينوكو) التي تغطي نحو 112 ألف كم²، أي أكثر من 12% من مساحة البلاد، وتضم احتياطيات مهمة من الذهب، الكولتان (coltan)، النيكل، وأجزاء من العناصر الأرضية النادرة مثل السيريوم واللانثانم والنيوديميوم والثوريوم.
وتشير التقديرات إلى وجود الكولتان، وهو خام معدني يحتوي على التنتالوم والنيوبيوم ويُستعمل في الهواتف والحواسيب ومحرّكات الطائرات، وتقدَّر قيمته بين 100 و300 مليار دولار.
ومع احتياطات ضخمة من الماس والبُوكسيت وخام الحديد والنحاس والعناصر النادرة، يُعتقد أن القيمة الإجمالية لثروات القوس تتجاوز تريليوني دولار. وتشير دراسات جيولوجيّة حديثة إلى وجود أدلّة مؤكَّدة على معادن حاملة للعناصر الأرضيّة النادرة في نطاق القوس والمناطق المجاورة له ضمن درع غويانا الجيولوجي، أحد أقدم التكوينات الصخرية على وجه الأرض.
وتشمل هذه العناصر اللانثانوم (La)، والسيريوم (Ce)، والنيوديميوم (Nd)، والبراسيوديميوم (Pr)، والإيتريوم (Y)، والديسبروسيوم، (Dy) والتيربيوم (Tb)، وهي عناصر تُعدّ اليوم جوهريّة في صناعة المغناطيسات الدائمة، والمحرّكات الكهربائيّة، والتوربينات الهوائيّة، وشاشات الأجهزة الإلكترونيّة الحديثة. وإلى الشّمال مباشرة يمتد حزام نفط أورينوكو، وهو من أكبر احتياطات النفط المؤكَّدة في العالم، على طول الضفّة الشماليّة للنهر. يحتوي على نحو 1.2 تريليون برميل من النفط الثقيل جدّاً، منها حوالي 300 مليار برميل قابلة للاستخراج، وهذه القدرات تجعلها مورداً استراتيجياً حاسماً في توازنات الطاقة الدولية.
وقد تحدثت الحكومة الفنزويلية عن إمكانية استخراج ما يصل إلى مليون قيراط من الماس، و12 ألف طن من النيكل، و35 ألف طن من الكولتان، ورواسب نحاسية كبيرة في منطقة أورينوكو للتعدين.
في عام 2023، أعلنت الحكومة الفنزويلية أن الكاسيتريت والنيكل والروديوم والتيتانيوم وغيرها من المعادن الأرضية النادرة موارد استراتيجية لاستكشافها واستخراجها وتسويقها، باعتبارها مادة خام أساسية لصناعة التكنولوجيا. وتبرز ما يُسمى بالرمال السوداء -وهي سوق تهيمن عليها الصين إلى حد كبير- كجائزة أخرى يأمل الرئيس الأمريكي في انتزاعها من منافسه التجاري من خلال الضغط الذي يمارسه على موارد فنزويلا.
وكشف تحقيق نُشر في نوفمبر/تشرين الثاني بعنوان "عالم الأمازون السفلي" من قِبل موقع Armando.info الإعلامي الفنزويلي، أنه على الرغم من وجود سجلات رسمية لصادرات المعادن الأرضية النادرة عبر الموانئ الفنزويلية، فإن جزءًا كبيرًا من المعادن المستخرجة في غويانا يُتاجر به بشكل غير قانوني إلى كولومبيا، حيث يتم "تبييض" مصدرها قبل أن ينتهي بها المطاف في أيدي الشركات الصينية، وهي الشركات الرائدة عالميًا في معالجة هذه المواد.
انهيار وسوء إدارة مفرطة
لا يوجد مثيل معاصر لانهيار فنزويلا. حتى وقت قريب، كانت البلاد تتمتع بواحد من أعلى معدلات دخل الفرد في أمريكا اللاتينية، وكانت لاعباً رئيسياً في أسواق النفط العالمية. لسنوات، كان اقتصادها يقارب حجم اقتصاد كولومبيا؛ في عام 2012، بلغ إنتاج الدولتين الأنديزيتين حوالي 370 مليار دولار. اليوم، يقل الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا عن خمس نظيره في كولومبيا بعد انكماشه بنسبة مذهلة بلغت 78% بالدولار، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي.
أدى سوء الإدارة الاقتصادية المفرط في ظل التجربة الاشتراكية لمادورو وسلفه هوغو تشافيز، التي أطلقت عنان تضخم جامح ودفعت حوالي 8 ملايين فنزويلي إلى الهجرة، إلى تدمير قطاع الأعمال والقاعدة الإنتاجية في البلاد.
بطبيعة الحال سيحتاج خليفة مادورو، أياً كان، إلى تطبيع العلاقات مع جهات الإقراض متعددة الأطراف، وهي خطوة حاسمة لتأمين التمويل اللازم لإنعاش الاقتصاد وتحقيق مكاسب مبكرة. يتطلب ذلك التزاماً سياسياً بالإصلاح، وشفافيةً، ووصولاً كاملاً للدائنين لتقييم الوضع المالي الحقيقي للبلاد.
لم يجر صندوق النقد الدولي مشاورات المادة الرابعة -وهي مراجعة سنوية نمطية- منذ عام 2004، لذا فإن إعداد تقييم جديد سيكون موسعاً. لكن يُرجح أن ينهي انتقال سياسي يعيد الشرعية الديمقراطية النزاع المؤسسي الذي منع كاراكاس منذ عام 2019 من سحب مليارات الدولارات من احتياطيات صندوق النقد الدولي الجديدة.
باستخدام هذه الموارد، يمكن لفنزويلا تسوية متأخراتها مع بنوك التنمية الإقليمية. إن سداد ما يقارب ملياري دولار من ديونها لبنك التنمية للبلدان الأمريكية سيعيد الوصول إلى تمويل جديد للبنية التحتية والبرامج الاجتماعية العاجلة.
وختاماً، يمكن القول إن فنزويلا أصبحت أمام واحدة من أكبر جهود إعادة الإعمار الاقتصادي في التاريخ الحديث.