مقر نائب الرئيس الأمريكي.. حارس التاريخ وحامي أسرار السلطة
على ربوة خضراء مطلة على واشنطن، حيث تصطف أشجار البلوط المعمرة وتخفت ضوضاء العاصمة، يقف مبنى "نمبر وان أوبزرفاتوري سيركل" شامخاً كحارس صامت لتاريخ يمتد لأكثر من قرن.
هذا القصر الفيكتوري الذي يقع في حرم المرصد البحري الأمريكي، أحد أقدم الوكالات العلمية في البلاد، ليس مجرد مقر إقامة رسمي، بل متحف حي يروي فصولاً متعاقبة من حياة نواب الرؤساء وعائلاتهم، بحسب موقع "بيزنس إنسايدر".
ومنذ يناير/ كانون الثاني 2025، فتحت أبوابه لفصل جديد، حيث انتقل إليه نائب الرئيس جيه دي فانس وزوجته أوشا بصحبة أطفالهما الثلاثة، ليصبحوا أول عائلة نائب رئيس تقيم في المنزل مع أطفالها منذ أن سكنه آل غور عام 1993.
اليوم، وبينما تترقب العائلة قدوم مولودها الرابع في يوليو/ تموز المقبل، يعود الضوء ليسلط على زوايا هذا المنزل الذي تبلغ مساحته 9150 قدماً مربعاً، محملاً بثلاث وثلاثين غرفة، وست غرف نوم، وإرث من اللمسات الشخصية التي أضفاها ساكنوه المتعاقبون.

تعود جذور القصر إلى عام 1893، حين شُيد ليكون منزلاً لمدير المرصد البحري. لكن التاريخ السياسي للمبنى لم يبدأ إلا في عام 1974، عندما خصص الكونغرس أموالاً لتحويله إلى مقر رسمي لنائب الرئيس، بعدما دأب نواب الرئيس السابقون على الإقامة في منازلهم الخاصة.
والمفارقة أن نيلسون روكفلر، أول من شغل المنصب بعد هذا القرار، استضاف فعاليات في المنزل لكنه لم يسكنه فعلياً، ليكون والتر مونديل في عام 1977 أول من اتخذ منه بيتاً دائماً. ومنذ تلك اللحظة، بدأ كل نائب رئيس يترك بصمته على الجدران والأركان، محولاً المبنى إلى لوحة فسيفساء من الأذواق والحكايات.
تحول المنزل، على مدار العقود، إلى مشروع معماري مفتوح لنواب الرؤساء. فعندما سكنه ديك ولين تشيني، استعانا بمصمم الديكور فرانك باب راندولف لتزيينه بألوان محايدة، فيما قلب آل بايدن المعادلة تماماً، وأشبعوا الجدران بألوان زاهية حملت توقيع مصممة الديكور فيكتوريا هاجان، فأضحى "أزرق بايدن" يغمر غرفة الطعام، و"أصفر النرجس" يشرق في غرفة المعيشة، بينما اكتست المكتبة بورق جدران أخضر.

غير أن الأثر الأعمق تركته جيل بايدن، التي صرحت لصحيفة "واشنطن بوست" عام 2017 بأن غرفة التشمس كانت ملاذها المفضل، حيث كانت تصحح أوراقها وتعقد الاجتماعات على وقع الضوء الطبيعي.
لم تقتصر التحسينات على الدهانات والأثاث، بل امتدت إلى مرافق ترفيهية جعلت من الحديقة الخلفية واحة خاصة. فقد أقام جورج بوش الأب مضماراً للجري بطول ربع ميل أحبه حتى صار رئيساً. أما دان كويل، فخلّد اسمه في قلب العائلة حين أضاف مسبحاً للمقر، ما دفع جيل بايدن للقول مازحة: "لا يمكن لأحد أن يقول كلمة سيئة عن دان كويل، إنه نائب الرئيس المفضل لدي، وحفيداتي يعشقنه".
أما جو بايدن، فأضفى لمسة رومانسية خالصة حين فاجأ زوجته بأرجوحة معلقة على شجرة في عيد الحب عام 2010، نقشت عليها عبارة "جو يحب جيل"، في مشهد اختزل دفء العائلة داخل بروتوكول السلطة.
ومع كل عائلة جديدة، كان المنزل يكتسب طبقة إضافية من المعنى. كارين بنس، زوجة مايك بنس، حوّلت جزءاً من الحديقة إلى منحل يضم عشرين ألف نحلة، في رسالة توعية بيئية حملتها معها من أيام حكم إنديانا.
أما الشائعات التي أحاطت بالمبنى، فبلغت ذروتها عام 2002، حين سمع الجيران دوي انفجارات وأعمال بناء غامضة، وتلقوا رسالة رسمية تفيد بأن المشروع "سري ولا يمكن الإفصاح عنه".
وسرعان ما اشتعلت التكهنات حول بناء ملجأ محصن تحت الأرض، خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول.
صحيح أن المتحدث باسم البحرية وصف المشروع بأنه "تحديث للبنية التحتية"، لكن الغموض ظل يلف الحكاية، حتى جاءت تصريحات جو بايدن المنسوبة إليه خلال عشاء نادي غريديرون عام 2009 لتصب الزيت إلى النار.

غير أن متحدثته الرسمية سارعت للتوضيح أن ما وصفه بايدن لم يكن سوى "مساحة عمل في الطابق العلوي"، كانت تستخدم بكثافة من قبل نائب الرئيس تشيني ومساعديه، قبل أن تحولها عائلة بايدن إلى غرفة ضيوف.
ومع انتقال عائلة فانس إلى هذا الإرث المعماري الحي، بدأت بصمتهم الخاصة تتشكل. ففي يونيو/ حزيران 2026، أضافوا إلى الحديقة قن دجاج كبير صممته شركة كارولينا كوبس ليعكس الطراز المعماري للمرصد البحري نفسه، في لمسة تجمع بين العملية والأناقة.
وأكد مصدر مطلع أنه لم تُنفق أي أموال عامة على المشروع، الذي سيؤمن البيض الطازج للمائدة العائلية.

ما يميز "أوبزرفاتوري سيركل" حقاً ليس فقط هندسته المعمارية أو تاريخه السياسي، بل الحرية التي يوفرها لساكنيه مقارنة بالبيت الأبيض.
فهو يمتد على مساحة ثمانين فداناً تضم مسبحاً ومضماراً للجري وحديقة تراث عائلي، نُصبت فيها أحجار تذكارية لجميع السكان السابقين وحيواناتهم الأليفة، إلى جانب تمثال برونزي لكلب آل بايدن "شامب".
وقد لخص بايدن الفارق بدقة حين وصف البيت الأبيض بأنه "قفص ذهبي"، بينما يمنح هذا المقر ساكنيه نافذة نادرة على حياة شبه طبيعية، حيث يمكنهم القفز في المسبح صباحاً وركوب الدراجة دون مغادرة العقار، بعيداً عن أعين الكاميرات وبروتوكول القصر الرئاسي.