«إير فورس تو».. تعرف على طائرة «الرجل الثاني» بأمريكا

عندما ينتقل نائب رئيس الولايات المتحدة عبر الجو لأداء مهامه الرسمية، تحمل الطائرة التي تُقلّه تلقائياً الاسم الرمزي "إير فورس تو"، ما يعكس الدور المميز الذي تلعبه كوسيلة نقل مُخصصة لثاني أعلى منصب في البلاد.
وعلى عكس "إير فورس وان" الشهيرة التي تحيط بها هالة من الغموض والتقدير، فإن تسمية "إير فورس تو" لا ترتبط بطراز محدد للطائرة، بل تُطلق على أي طائرة تنقل نائب الرئيس، سواء كانت مروحية أو طائرة نفاثة. ويُسلط هذا الاختلاف الضوء على طبيعة المنصب نفسه، الذي يجمع بين الأهمية الاستراتيجية والمرونة التشغيلية، وفقاً لموقع "بيزنس إنسايدر".
من البدايات إلى التطور الحديث: رحلة تاريخية
تعود أولى الرحلات الدولية الرسمية لنائب رئيس أمريكي على متن طائرة نفاثة إلى عام 1959، عندما زار ريتشارد نيكسون، نائب الرئيس دوايت أيزنهاور، الاتحاد السوفياتي في مهمة دبلوماسية حساسة.
استخدم نيكسون آنذاك طائرة "بوينغ VC-137A ستراتولاينر"، التي أصبحت لاحقاً جزءاً من أسطول الطائرات الرئاسية.
بمرور الوقت، تطورت المواصفات الفنية للطائرات المُخصصة لنواب الرؤساء، حيث شهدت سبعينيات القرن الماضي تحولاً كبيراً مع اعتماد طائرة "DC-9" كوسيلة نقل رسمية ابتداءً من عهد نائب الرئيس نيلسون روكفلر عام 1975.
وتميزت هذه الطائرة بتصميم داخلي فاخر، ليضم مقصورة VIP مخصصة لاجتماعات العمل، إلى جانب مساحة تتسع لـ32 مقعداً من الدرجة الأولى لمرافقي الوفد. واستمر استخدام "DC-9" لثلاثة عقود، قبل أن تُستبدل عام 2005 بطائرة "C-32"، وهي نسخة عسكرية مُطورة من طراز "بوينغ 757-200"، مزودة بأنظمة اتصالات متقدمة وغرفاً مُخصصة للراحة.
بروتوكولات صارمة وعلامات احترام
تحرص الإجراءات الأمنية الأمريكية على منع سفر الرئيس ونائبه معاً على متن الطائرة نفسها، وذلك لتجنب أي مخاطر محتملة قد تؤثر على استمرارية السلطة في حال وقوع كارثة.
هذا الحظر، الذي تُفصّله صحيفة "نيويورك تايمز"، يفرض على نائب الرئيس الاعتماد على "إير فورس تو" حتى في الرحلات المشتركة مع الرئيس، حيث تُقل كل منهما طائرة منفصلة.
وعلى صعيد آخر، تُظهر التقاليد العسكرية الأمريكية تفصيلاً لافتاً في التعامل مع نائب الرئيس: فبينما يُلزم الجنود بالتحية العسكرية للرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، فإن تحية نائبه تظل عملاً اختيارياً يعكس الاحترام الشخصي أكثر من كونه التزاماً رسمياً. مع ذلك، تشير وكالة "أسوشيتد برس" إلى أن العسكريين يحرصون عادةً على تحية نائب الرئيس كتعبير عن التقدير لمنصبه.
مساحة للعمل واللمسات الإنسانية
تحولت مقصورة "إير فورس تو" مع مرور الوقت إلى مكتب متنقل يعكس شخصية من يشغلها. فخلال فترة نائب الرئيس آل غور، في عهد الرئيس بيل كلينتون (1993–2001)، زُينت الجدران بصور عائلية ووُضعت ساعة خاصة تُظهر توقيت واشنطن العاصمة مع توقيت الوجهة، في إشارة إلى انشغال غور بقضايا التوقيت العالمي المرتبطة بتغير المناخ.
أما جو بايدن، نائب الرئيس باراك أوباما، فقد فضّل تعليق خريطة عالمية في مكتبه الجوي لتتبع تحركاته التي تجاوزت مليون ميل خلال ولايته. ولا تقتصر الاستخدامات على الجانب الرسمي؛ ففي عام 2017، استغل موظفو نائب الرئيس مايك بنس الرحلة الجوية للاحتفال بعيد ميلاده باستخدام بالونات وزينة ملونة، بينما احتفلت كامالا هاريس في 2021 بعيد ميلاد أحد مستشاريها بتوزيع الكعك والغناء الجماعي.
مزايا تكنولوجية وخدمات للصحافة
لا تقل "إير فورس تو" عن نظيرتها الرئاسية من حيث التجهيزات التكنولوجية، حيث تحتوي الطائرة الحديثة على مركز اتصالات يستطيع التعامل مع حالات الطوارئ، بالإضافة إلى غرفة نوم مُزوّدة بسرير قابل للطي. وفي الجزء الخلفي من الطائرة، تُخصص مساحة لـ32 صحفياً من وسائل الإعلام المرافقة، مع توفير مقاعد مريحة من درجة رجال الأعمال وشاشات تلفاز لبث القنوات الإخبارية.
وغالباً ما تُستخدم هذه الرحلات لإجراء حوارات غير رسمية بين نائب الرئيس والصحفيين، تُعرف باسم "اللقاءات الجوية"، والتي تتيح مناقشة القضايا السياسية في أجواء أقل رسمية.
قصص لا تُنسى
وشهدت الطائرة أحداثاً غير تقليدية، مثل استخدام دوغ إيمهوف، زوج كامالا هاريس، لها خلال رحلة إلى لاس فيغاس عام 2021 لملء استمارات بطولة كرة السلة الجامعية "مارتش مادنس"، في خطوة جمعت بين الواجب الرسمي والاهتمامات الشخصية. كما تحولت المقصورة أحياناً إلى منصة للعمل الإبداعي؛ إذ كتب آل غور خطاب قبوله الترشح للرئاسة عام 2000 أثناء تحليقه، مستفيداً من الهدوء النسبي بعيداً عن ضغوط الأرض.
رمزية تتجاوز المعدن
لا تُختزل أهمية "إير فورس تو" في كونها مجرد وسيلة نقل؛ بل هي تعكس فلسفة الحكم الأمريكي في توزيع الصلاحيات وضمان الاستمرارية الحكومية. ويروي تصميمها المتغير عبر العقود، من طائرات بدائية إلى آلات متطورة، قصة تطور الدبلوماسية الأمريكية نفسها.
وفي كل رحلة، تجمع بين ثقل المسؤولية ودفء التفاصيل الإنسانية، لترسم صورة لنائب الرئيس ليس كمسؤول فحسب، بل كشخصية عامة تتنقل بين العالمين السياسي والبشري.