بعد بريطانيا.. حرب إيران تضغط على الاقتصاد الألماني
تتزايد الضغوط على الاقتصاد الألماني في ظل تداعيات الحرب مع إيران، حيث خفّض البنك المركزي الألماني توقعاته للنمو خلال العام الجاري.
ويأتي ذلك كانعكاس للتأثيرات السلبية المتصاعدة لارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل الإمداد.
ووفقًا لأحدث التقديرات، يتوقع البنك المركزي الألماني أن يسجل الاقتصاد نموًا محدودًا لا يتجاوز 0.5% خلال عام 2026، بعد احتساب تأثيرات التقويم، وهو ما يمثل تراجعًا طفيفًا عن توقعاته السابقة الصادرة في ديسمبر/كانون الأول والتي كانت تشير إلى نمو بنسبة 0.6%. ويعكس هذا التعديل النظرة الأكثر تشاؤمًا بشأن الأداء الاقتصادي في أكبر اقتصاد أوروبي.
وأوضح البنك أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الناتج عن التوترات الجيوسياسية، خاصة الحرب مع إيران، أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر الألمانية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تراجع مستويات الاستهلاك. كما ساهمت هذه الضغوط في دفع معدلات التضخم إلى مستويات أعلى، ما زاد من الأعباء على المواطنين والشركات على حد سواء ووجه تحدي لحكومة المستشار فريدريش ميرتس.
تحديات إضافية
ورغم هذه الصورة القاتمة على المدى القصير، يرى البنك المركزي أن الاقتصاد قد يبدأ في استعادة زخمه تدريجيًا بعد أشهر الصيف الضعيفة، مع توقعات بارتفاع النمو إلى نحو 0.8% في عام 2027، ثم إلى 1.4% بحلول عام 2028. إلا أن هذا التعافي يظل مشروطًا بتحسن الأوضاع الخارجية وتراجع الضغوط التضخمية.
وفي الوقت نفسه، حذّر البنك من استمرار تحديات هيكلية تعيق النمو، أبرزها نقص العمالة الماهرة وارتفاع تكاليف العمل والطاقة، وهي عوامل تضغط على القدرة التنافسية للاقتصاد الألماني على المدى الطويل.
ولا تقتصر النظرة المتشائمة على البنك المركزي فحسب، إذ تتقاطع هذه التقديرات مع توقعات الحكومة الألمانية ومجلس الخبراء الاقتصاديين، المعروف باسم “الحكماء الاقتصاديين”، الذين رجّحوا أيضًا تحقيق نمو ضعيف عند حدود 0.5% خلال العام الجاري. ويأتي ذلك بعد أن تمكن الاقتصاد الألماني بصعوبة من تجنب ركود ممتد في عام 2025، مسجلًا نموًا هامشيًا بلغ 0.2% فقط.
تقديرات التضخم
كما أشار التقرير إلى تداعيات محتملة على سوق العمل، حيث يُرجح أن يشهد التوظيف تراجعًا طفيفًا خلال العام الحالي، قبل أن يعود إلى النمو بشكل ملحوظ اعتبارًا من منتصف العام المقبل، بالتزامن مع تحسن النشاط الاقتصادي.
وفي محاولة لتخفيف حدة التباطؤ، يعوّل صناع السياسات على زيادة الإنفاق الحكومي، خاصة على مشروعات البنية التحتية، بدعم من صناديق خاصة بمليارات اليوروهات، بهدف تحفيز الاقتصاد ومنع دخوله في مرحلة انكماش. وتعكس هذه التقديرات حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد الألماني في المرحلة الراهنة، حيث تتقاطع العوامل الجيوسياسية مع الضغوط الهيكلية الداخلية، مما يضع أكبر اقتصاد في أوروبا أمام اختبار صعب للحفاظ على استقراره ومسار نموه في السنوات المقبلة.
انكماش بريطاني
وفي السياق ذاته، تواجه الشركات الألمانية تحديات إضافية نتيجة اختناقات سلاسل التوريد، التي تفاقمت بفعل التوترات العالمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، لا سيما في قطاعات تعتمد بشكل كبير على الطاقة. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى إبطاء وتيرة النشاط الاقتصادي وتقليص فرص التعافي السريع.
وعلى صعيد التضخم، يتوقع البنك المركزي أن يبلغ معدل التضخم المنسق وفق المعايير الأوروبية (HICP) نحو 2.9% خلال العام الجاري، على أن يتراجع تدريجيًا إلى 2.7% في عام 2027، قبل أن ينخفض إلى 1.9% بحلول عام 2028. ويعكس هذا المسار استمرار الضغوط التضخمية على المدى القريب، قبل أن تبدأ في الانحسار تدريجيًا.
وقبل يومين، أظهرت بيانات أبريل/نيسان أن الاقتصاد البريطاني بدأ يفقد الزخم الذي حققه مطلع العام، إذ تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.1% متأثراً بانكماش قطاع الخدمات، رغم تحسن التصنيع والإنشاءات. وتشير الأرقام إلى احتمال ضعف الأداء خلال الربع الثاني في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الاقتراض المرتبطة بالحرب في إيران. كما تعزز البيانات توجه بنك إنجلترا إلى التريث في تشديد السياسة النقدية، مع تزايد المخاوف بشأن ضعف الطلب الاقتصادي.