سياسة

ماذا بعد فشل الأستانة 11 ؟

الأربعاء 2018.12.5 05:02 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 301قراءة
  • 0 تعليق
د . سمير صالحة

تحولت البيانات الختامية لمؤتمرات الأستانة إلى كلاشيهات معروفة تكرر نفسها بعد كل لقاء وبينها الالتزام بوحدة وسيادة واستقلالية سوريا، ومواصلة الحرب على التنظيمات الإرهابية، وضرورة الإسراع في تأمين عودة مئات الآلاف من اللاجئين وإعادة إعمار البلاد.

التوقعات هذه المرة كانت مرتبطة بتفاهمات سوتشي التركية الروسية حول الحل في إدلب، واستعدادات الطرفين لتفعيل خارطة طريق ثنائية جديدة في شمال غرب سوريا، باتجاه تثبيت وقف إطلاق النار وإخراج الجماعات المتطرفة والمتشددة من المعادلة هناك. لكننا فوجئنا بعودة إيرانية قوية بعد الرسائل الميدانية الأخيرة التي وجهتها إلى الروس والأتراك عبر النظام أو مليشياتها المحلية بأن لا فرص لأية طاولة تستبعدها في منطقة إدلب وجوارها.

النقطة التي لا تملك أنقرة الكثير من المعلومات حولها والتي تخيفها في سوريا، هي مدى خطورة التفاهم الروسي الإيراني أو الروسي الأمريكي من وراء ظهرها هناك، والثمن الذي قد تدفعه والذي سيكون أكبر وأخطر مما تحملته من أعباء حتى الآن

الخارجية الأمريكية لم تنتظر مغادرة المشاركين للعاصمة الكازاخية، لتعلن أن الأطراف وصلت إلى طريق مسدود. اجتماع الأستانة طبعا لم يفشل :

لأن واشنطن لم ترسل موفدها الخاص إلى سوريا جيمس جيفري للمشاركة أو لأنها هي التي أعلنت النتيجة باكرا كون "مسار أستانة لم يؤد سوى إلى مأزق في سوريا"، كما قالت دائما .

وليس بسبب ما قاله المبعوث الأممي دي ميستورا في آخر مشاركة أممية له قبل الوداع، أن موسكو وأنقرة وطهران أخفقت في تحقيق أي تقدّم ملموس في التعامل مع ملفات أساسية تفتح الطريق أمام التسوية السياسية في سوريا .

ولا لأن العديد من العواصم الأوروبية أعلنت خيبة أملها بعد اجتماعات استغرقت يومين ولم تحقق أي تقدم طفيف في ملفات تشكيل اللجنة الدستورية وتثبيت اتفاقات إدلب لناحية إنهاء الخروقات اليومية وإخراج مجموعات "النصرة" من المعادلة .

بل لأن هناك أكثر من مؤشر محلي وإقليمي، سياسي وأمني يعكس أن الاحتمال الأقرب والأقوى كان الطريق المسدود مرة أخرى في الأستانة :

هناك أولا التناقضات الروسية التي تزايد عددها في الآونة الأخيرة لناحية تحديد موقفها حيال ما يجري في إدلب؛ مرة تقول إنها تسير مع أنقرة جنبا إلى جنب في توفير الحل للأزمة، ومرة أخرى تردد أنه لا بد من إشراك طهران وأخذ ما تقوله بعين الاعتبار. في الصباح تتحدث موسكو عن عملية عسكرية لا بد منها ضد مجموعات النصرة في إدلب وفي المساء تقول العكس: العملية العسكرية تحمل الكثير من المخاطر على التوازنات الحساسة هناك .

طهران من ناحيتها تحرض في الخفاء النظام السوري على تفجير الوضع؛ لأن مصالحها معرضة للخطر عبر تسوية تركية روسية في إدلب لكنها في العلن تقول إنها مع اتفاق سوتشي والاستقرار، وإنها ستعمل مع موسكو وأنقرة على توفير الحل بطرق سلمية، ولن تدعم النظام للتحرك إلا للرد على الاستفزازات ضده .

أنقرة بدورها تريد لعب عامل الوقت لصالحها عبر إشراك دول جديدة في منصة الأستانة كما فعلت في قمة إسطنبول الرباعية الأخيرة وإطالة عمر الأخذ والرد في إدلب حول طريقة القضاء على مجموعات النصرة ريثما تتضح مسألة شرق الفرات، وكيف ستكون تفاهماتها مع واشنطن هناك واحتمالات أن توجد الإدارة الأمريكية نفسها أمام طاولة صنع الحل في سوريا .

رسائل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كانت تقول: "أنقرة وموسكو قادرتان على تغيير مصير الشرق الأوسط في حال اتخاذهما قرارات جادة.. أنا مقتنع اليوم بأن الرئيس الروسي يريد إنهاء المأساة في سوريا".

المؤكد هنا، وعلى ضوء ما أعلنته أنقرة بعد ساعات على لقاءات الرئيس التركي الثنائية بكل من الرئيس الأمريكي والروسي على هامش قمة العشرين الأخيرة "أنقذنا غرب الفرات والآن سننقذ شرقه"، هو أن "المسألة حساسة للغاية" كما قال بوتين، وإلا ما معنى أن تسارع موسكو للإعلان أنها تتفهم الصعوبات التي تواجه تركيا في تنفيذ عملية إخلاء المنطقة منزوعة السلاح في إدلب من المسلحين"، وأن يبادر وزير الخارجية الروسية سيرجي لافروف للإعلان "أن الولايات المتحدة تدير لعبة خطيرة على الضفة الشرقية لنهر الفرات"؟

للتذكير فقط سبق وتابعنا الموقف الروسي الذي كان يتحدث عن استعداد موسكو لمساعدة المعارضة السورية المعتدلة في القضاء على مسلحي "جبهة فتح الشام" التي تبسط سيطرتها على أكثر من نصف مساحة إدلب، وترفض حتى الآن الانسحاب من المنطقة العازلة المعدة من قبل روسيا وتركيا.

بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة أصواتا سورية معارضة تقول: "مؤتمر أستانة خدمة مجانية لروسيا، لتصنع أطرافا إضافية تمهيدا لإشراكها في مؤتمر جنيف المقبل"، لكن هناك حقيقة أخرى أبعد من ذلك في تحليل أهداف موسكو المستقبلية في سوريا تقوم على إسقاط أنقرة في مصيدة "مناطق خفض التوتر"، ومستنقع الحرب على النصرة في إدلب، وترك طهران أمام التهديدات الإسرائيلية اليومية لوجودها ونفوذها في سوريا، ثم بناء صفقة شاملة مع واشنطن كما فعلت قبل أشهر على الحدود السورية الإسرائيلية.

 أنقرة ترصد بقلق الأنباء التي تتحدث عن اقتراب واشنطن من إنجاز عملية تجهيز وتسليح أكثر من 30 ألف مقاتل في "قوات سوريا الديمقراطية"، سيلعبون دورا جديدا في المعادلة السورية بعد القضاء على ما تبقى من عناصر داعش في شرق البلاد.

مجموعات "مسد"، وحسب تقارير أمنية وعسكرية أمريكية كثيرة، تستعد في المرحلة المقبلة لقطع الطريق على المشروع الإيراني الذي استفاد من الحالة الأمنية والسياسية في سوريا لطرد آلاف المواطنين من أراضيهم في أكثر من مكان بهدف استقدام آخرين من إيران لتغيير التركيبة الديموغرافية لسوريا. ما قالته الإدارة الأمريكية أكثر من مرة حول أسباب وجودها في سوريا وضرورة القضاء على المشروع الإيراني لا يعني الأكراد والقبائل في شمال شرق سوريا وشرقها وحدهم طبعا.

النقطة التي لا تملك أنقرة الكثير من المعلومات حولها والتي تخيفها في سوريا هي مدى خطورة التفاهم الروسي الإيراني أو الروسي الأمريكي من وراء ظهرها هناك، والثمن الذي قد تدفعه والذي سيكون أكبر وأخطر مما تحملته من أعباء حتى الآن، وإلا فما معنى أن يبادر أردوغان وهو يغادر قمة بوينس آيرس وبعد ساعات فقط على لقاء يعقده هناك مع نظيره الروسي لتوجيه الدعوة مجددا للقاء قمة تركي روسي في القريب العاجل لتوجيه الدعوة إلى نظيره الروسي لبحث الوضع في محافظة إدلب؟ الهدف الأساسي للقاء من هذا النوع هو نقاش تطورات شرق الفرات ومعرفة تركيا لحقيقة الموقف الروسي الذي يقلقها هناك.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات