أخطر ما في الهجمات الحديثة أنها لا تستهدف المدن.. بل سلوك الناس داخلها.
في 17 يناير 2022، لم يكن الهدف الحقيقي هو منشأة في المنطقة الصناعية «مصفح» ولا محيط مطار أبوظبي، بل ما هو أخطر: كسر الإيقاع اليومي لعاصمة بُنيت على الاستقرار.
الخصم لم يكن يبحث عن نصر عسكري، بل عن ذعر داخلي يُدار بالشائعة، ويُضخَّم بالضجيج، ويتحوّل إلى فوضى معنوية. هذا هو الرهان التقليدي للمليشيات حين تعجز عن المواجهة المباشرة.
ما أفشل الرهان لم يكن خطابًا مرتفعًا، بل إدارة هادئة.
احتواء سريع، وتشغيل مستمر، وخبر يسبق الشائعة، وهدوء قطع الطريق على «بطولة الكاميرا» التي يعيش عليها خطاب المليشيات. حين لا يجد الخصم مشهدًا يتاجر به، يسقط خطابه تلقائيًا.
ثم تأتي الحقيقة التي تُحرج أي محاولة للتزييف: الضحايا كانوا مدنيين مقيمين.
وهنا يسقط الادعاء الأخلاقي من أساسه. فالدولة حين تُختبر، لا تُقاس بردّها العسكري فقط، بل بمن تحميه. الأمن الذي لا يشمل المقيم بالتساوي ليس أمنًا، بل امتيازًا هشًا. وما فعلته الإمارات هو العكس تمامًا: وسّعت معنى الحماية، لا حدودها.
لكن البرهان الأوضح على أن الحياة لم تتوقف لم يظهر في اليوم ذاته، بل في قرارات ما بعده.
لو نجح الهجوم في هدفه، لارتدّ الخوف على قرارات الناس المؤثرة: أين يعيشون؟ أين يستثمرون؟ وأين يراهنون بثرواتهم؟
الذي حدث كان مغايرًا تمامًا.
وفق تقارير الثروة العالمية، استقطبت الإمارات خلال عام 2023 وحده أكثر من 6,700 مليونير جديد نقلوا إقامتهم إليها، لتصبح الوجهة الأولى عالميًا لهجرة الأثرياء، مع تزايد أعداد أصحاب الثروات العالية والمليارديرات المقيمين فيها. هذه ليست هجرة سياحية؛ هذه هجرة قرار.
ورأس المال لا يغامر حيث يشكّ.
في أبوظبي، لم تكن الرسالة «نحن آمنون» مجرد شعار، بل تُرجمت إلى رهانات ثقيلة: استثمارات سيادية كبرى في قطاعات المستقبل، وشراكات استراتيجية مع كبرى شركات التكنولوجيا العالمية بمئات المليارات. هذه الصفقات لا تُوقّع في بيئات مترددة، ولا تُبنى في دول تعيش على حافة القلق.
حتى في المقارنات الموضوعية، جاءت النتيجة واضحة.
وفق مؤشر Numbeo Safety Index 2025، جاءت دولة الإمارات في المركز الأول عالميًا كأكثر دول العالم أمانًا. هذا ترتيب تمنحه المقارنة الدولية، لا البيانات المحلية. وهنا يتحول الأمان من إجراء أمني إلى رأس مال سياسي واقتصادي واجتماعي.
لهذا، حين يقف الناس في 17 يناير عند الساعة 11:00 على النشيد الوطني، فالمسألة ليست استذكار حدث، بل تثبيت سلوك. ما جرى لم يغيّر إيقاع الدولة، ولم يُعد تعريف المجتمع، ولم يؤثر على قرارات من يملكون الخيار.
العدو لم يُهزم بالسلاح فقط، بل فشل في كسر الثقة أيضًا.
وحين لا تتوقف الحياة.. تسقط كل روايات الفوضى.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة