حمد البلوشي أول راكب في قطارات الاتحاد.. لحظة تصنع التاريخ بالإمارات
عند الساعة الخامسة و34 دقيقة من صباح الثلاثاء 30 يونيو/حزيران 2026، انطلقت من محطة الفجيرة أولى رحلات ركاب قطارات الاتحاد في الإمارات باتجاه أبوظبي.
حملت الرحلة على متنها مئات المسافرين، لكن راكبا واحدا كان يحمل ثلاثة أرقام اختصرت رمزية اللحظة: التذكرة رقم "1"، والمقصورة رقم "1"، والمقعد رقم "1".
كان صاحب هذه الأرقام حمد منصور البلوشي، أحد أصحاب الهمم، الذي اختير ليصبح أول راكب على متن الرحلة الافتتاحية لـ"قطارات الاتحاد"، بعد أن رشحته شقيقته أنفال البلوشي ضمن مبادرة مجتمعية حملت اسم "الراكب الذي يمثلنا جميعًا".
لم يأت اختيار البلوشي عبر حجز مبكر أو مسابقة تقوم على الحظ، وإنما جاء بعد مراجعة ترشيحات قدمها أفراد من مختلف أنحاء الإمارات لأشخاص تركوا أثرًا إيجابيًا في محيطهم، وجسدوا من خلال مسيرتهم قيم الإرادة وخدمة المجتمع.
وبينما كان القطار يبدأ رحلته الأولى بين الفجيرة وأبوظبي، كان حمد البلوشي يضيف إلى مسيرته الشخصية محطة جديدة، بعدما تحدى إعاقته البصرية، وواصل تعليمه، ثم التحق بسوق العمل، ليصبح موظفًا في مستشفى الشيخ خليفة بالفجيرة.
بداية الرحلة
بدأت حكاية المقعد الأول قبل أيام من تحرك القطار، عندما اطلعت أنفال البلوشي على إعلان نشرته "قطارات الاتحاد" عبر منصات التواصل الاجتماعي، يدعو أفراد المجتمع إلى ترشيح شخص يستحق تقديرًا وطنيًا نظير مساهماته وتأثيره الإيجابي.
لم تتردد أنفال في تسجيل اسم شقيقها، إذ رأت أن مسيرته تعبر عن المعايير التي وضعتها المبادرة لاختيار أول راكب.
وقالت أنفال إن شقيقها واجه التحديات المرتبطة بإعاقته البصرية بإصرار، ولم يسمح لها بأن تتحول إلى حاجز أمام تعليمه أو طموحه المهني، مشيرة إلى أنه واصل دراسته واجتهد في بناء مستقبله حتى التحق بالعمل في مستشفى الشيخ خليفة بالفجيرة.
وبحسب شقيقته، يمثل حمد نموذجًا للإرادة والمثابرة، وهو ما دفعها إلى ترشيحه لشغل المقعد الذي أعلنت "قطارات الاتحاد" تخصيصه لشخص يعكس القيم الوطنية ويسهم في خدمة المجتمع.
وهكذا تحول ترشيح عائلي كتبته شقيقة تؤمن بمسيرة أخيها إلى اختيار وضع حمد البلوشي في مقدمة أول رحلة ركاب على شبكة السكك الحديدية الوطنية.
لماذا اختير الراكب رقم "1"؟
أطلقت "قطارات الاتحاد" مبادرة "الراكب الذي يمثلنا جميعًا" بالتزامن مع الاستعداد لبدء المرحلة التشغيلية التمهيدية لخدمات نقل الركاب.
ووفقًا للشركة، استهدفت المبادرة تكريم شخص أحدث تأثيرًا إيجابيًا في حياة الآخرين، وعكست مساهماته قيمًا وطنية تتسق مع هوية المجتمع الإماراتي.
وفتحت الشركة باب الترشيح أمام المواطنين والمقيمين في مختلف أنحاء الدولة، لإتاحة الفرصة أمامهم لترشيح صديق أو قريب أو زميل أو جار، مع توضيح الأسباب التي تجعله مستحقًا للتكريم.
وقالت عذراء المنصوري، المدير التنفيذي للقطاع التجاري في شركة قطارات الاتحاد لخدمات الركاب، إن الشركة أرادت أن يتزامن استقبال أول عملائها مع تكريم شخصية تجسد القيم الوطنية من خلال مساهماتها في الدولة.
وأضافت أن المبادرة جاءت تقديرًا للأشخاص الذين أسهموا في دعم أفراد المجتمع وتعزيز تماسكه والمشاركة في مسيرة الإمارات نحو المستقبل.
وبعد مراجعة أسماء المرشحين وإنجازاتهم، وقع الاختيار على حمد منصور البلوشي، ليكون الشخص الذي يبدأ معه التاريخ التشغيلي لقطار الركاب في الإمارات.
لحظة لا تنسى
حمل حمد البلوشي التذكرة الأولى، واتجه إلى المقصورة الأولى، ثم جلس في المقعد الأول، بينما كان القطار يستعد لمغادرة محطة الفجيرة في رحلته الافتتاحية إلى أبوظبي.
وقال البلوشي إن جلوسه في هذا المقعد جعله يدرك أن الرحلة لا تخصه وحده، وإنما تمثل بداية لملايين الرحلات التي ستنطلق مستقبلًا على متن قطار الركاب.
ووصف اختياره بأنه امتياز سيظل حاضرًا في ذاكرته طوال حياته، مؤكدًا أن وجوده في الرحلة الأولى منحه شعورًا بالفخر والاعتزاز.
وأضاف أنه، رغم ترشيحه بسبب مساهماته المجتمعية، شعر خلال الرحلة بأنه يمثل كل شخص يؤمن بمستقبل دولة الإمارات وبقدرتها على تحويل المشروعات الكبرى إلى إنجازات تخدم المجتمع.
واعتبر البلوشي أن اختياره يعكس اهتمام دولة الإمارات بتمكين أصحاب الهمم، وإشراكهم في الأحداث الوطنية والإنجازات الكبرى، بدلًا من اقتصار دورهم على متابعة هذه الإنجازات من بعيد.
مسيرة تتجاوز الإعاقة
لكن شهادة شقيقة حمد البلوشي تكشف مسارًا اعتمد على مواصلة التعليم والانخراط في العمل رغم التحديات المرتبطة بإعاقته البصرية، مؤكدة أن شقيقها لم يتعامل مع إعاقته باعتبارها نهاية لطموحه، وإنما واصل بناء مساره الدراسي والمهني حتى أصبح عضوًا فاعلًا في سوق العمل.
ومن خلال هذا المسار، أصبح البلوشي واحدًا من بين المرشحين الذين رأت "قطارات الاتحاد" أن قصصهم تعكس الرسالة التي أرادت المبادرة تقديمها مع انطلاق الخدمة الجديدة.
وجمع اختياره بين رمزية مشروع وطني يهدف إلى ربط المدن والمجتمعات، وقصة شخصية تقوم على تجاوز العوائق والمشاركة في الحياة العامة.
من الفجيرة إلى أبوظبي
انطلقت الرحلة الأولى من محطة الفجيرة، التي تقع في مدينة الهلال، باتجاه أبوظبي، ضمن المرحلة التمهيدية لتشغيل خدمات قطار الركاب.
وتبلغ المدة المعلنة للرحلة بين الفجيرة وأبوظبي نحو ساعة و45 دقيقة، بينما تصل سرعة القطار إلى 200 كيلومتر في الساعة، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 400 راكب.
وتشكل الرحلة جزءًا من شبكة وطنية تستهدف ربط 11 مدينة ومنطقة في أنحاء دولة الإمارات، ضمن خطة للتوسع التدريجي في تشغيل محطات ومسارات نقل الركاب.
وبينما أشاد ركاب الرحلة الأولى بسهولة التنقل ومستويات الراحة والهدوء داخل القطار، ظل المقعد رقم "1" مرتبطًا باسم الراكب الذي بدأ الرحلة قبل الجميع.
رقم واحد بثلاث دلالات
بالنسبة إلى حمد البلوشي، لم تعد الأرقام الثلاثة مجرد بيانات مطبوعة على تذكرة سفر؛ فالتذكرة رقم "1" وثّقت مشاركته في الانطلاقة، والمقصورة رقم "1" احتضنت بداية الرحلة، والمقعد رقم "1" منحه مكانًا في ذاكرة أحد أبرز مشروعات النقل الحديثة في الإمارات.
أما بالنسبة إلى شقيقته أنفال، فقد انتهى الترشيح الذي أرسلته عبر منصة إلكترونية بصورة لشقيقها يجلس في مقدمة القطار، ممثلًا لأصحاب الهمم ولأفراد المجتمع الذين يواصلون العمل رغم التحديات.
ومع وصول أول رحلة إلى أبوظبي، أصبح اسم حمد منصور البلوشي مسجلًا بوصفه أول راكب استقل قطار الركاب الإماراتي، في رحلة بدأت من مقعد واحد
