«134 موظفا لا ينامون».. قصة ذكاء اصطناعي ملهمة في أقدم بنك أمريكي
في أقدم بنك في أمريكا، يعمل 134 موظفا رقميا دون نوم أو إجازات مرضية، ولا يحملون أسماء شخصية، ليكملوا عمل الموظفين البشريين ويؤدوا مهامهم بكفاءة عالية.
هؤلاء الموظفون الرقميون في بنك نيويورك يعملون جنبا إلى جنب مع الموظفين البشريين، ولكل منهم دور فريد، ويتم تقييمهم بناء على دقة وكفاءة أدائهم، وهي مهام كان يؤديها موظفون بشريون في العام الماضي.
تقول راشيل لويس، التي تشرف على تسعة موظفين رقميين إلى جانب آلاف الموظفين البشريين بصفتها رئيسة عمليات الدفع في بنك نيويورك: "يعمل الموظف الرقمي على مدار الساعة، وهو ما يختلف تماما عن نظرائه من الموظفين البشريين. يركز عملهم على مهام محددة ومتكررة، مما يتيح لموظفينا البشريين القيام بأدوار أكثر إنسانية وتفاعلية وإثارة للاهتمام".
يوظف بنك نيويورك 48100 موظف، بانخفاض عن حوالي 53400 موظف في عام 2023، وفقًا لعرض أرباح حديث.
وسُئل المدير المالي، ديرموت ماكدونو، خلال مكالمة المحللين للربع الرابع من العام الماضي، عن تأثير وجود 134 موظفًا رقميًا على وفورات التكاليف في البنك، فأجاب: "انخفض عدد موظفينا قليلًا، لكن هذا لا علاقة له بالذكاء الاصطناعي حتى الآن. نتحدث داخليًا عن أن الذكاء الاصطناعي يُطلق العنان للقدرات، لا ننظر إليه من منظور الكفاءة الضيقة، بل من منظور النمو مع العملاء، وزيادة الإيرادات، وتحقيق أقصى استفادة من إمكانيات موظفينا".
في وول ستريت، بدأ المحللون والمستثمرون يطرحون المزيد من التساؤلات حول كيفية ترجمة إنفاق القطاع على الذكاء الاصطناعي إلى كفاءات أعلى وعوائد أكبر. أنفق بنك نيويورك 3.8 مليار دولار على التكنولوجيا في عام 2025، أي ما يعادل 19% من إيراداته، وهذه أعلى نسبة بين البنوك الكبرى المنافسة، وفقًا لبيانات جمعتها شبكة سي إن بي سي.
وقال مايك مايو، المحلل في ويلز فارجو: "هناك سباق تسلح في مجال الذكاء الاصطناعي، والبنوك جزء من هذا السباق، لكن النجاح لا يُقاس بمن ينفق أكثر، بل بمن يحقق أفضل النتائج. إن الإنفاق على التكنولوجيا، بشكل عام، أشبه بالتجربة والخطأ."
تم تحديد بنك نيويورك (BNY) كواحد من الشركات التي يُمكن أن تجني أكبر الفوائد من الذكاء الاصطناعي.
قام فريق البحث في غولدمان ساكس بتحليل مؤشر راسل 1000 بحثًا عن تحسينات محتملة في الإنتاجية، بناءً على تكاليف العمالة ومدى تأثر الأجور بأتمتة الذكاء الاصطناعي، وصنّف البنك ضمن أعلى تلك القائمة، مشيرةً إلى أن البنك قد يشهد زيادة محتملة بنسبة 19% في ربحية السهم بفضل تبني الذكاء الاصطناعي.
لكن المسؤولون التنفيذيون في بنك نيويورك أكدوا بشدة في العديد من المحادثات التي أجرتها سي إن بي سي، أن الاستثمارات التكنولوجية الكثيرة لن تأتي على حساب الموظفين.
وقالت ميشيل أورايلي، الرئيسة العالمية للمواهب: "لا أنظر إلى الأمر بهذه الطريقة، بل أنظر إليه على أنه إطلاق العنان للإنتاجية - تمكين جميع الموظفين من أن يكونوا منتجين".
وبينما يعمل البنك على زيادة عدد موظفيه الرقميين، فإنه يعزز أيضًا مهارات موظفيه البشريين. وبعد فترة وجيزة من إطلاق ChatGPT في أواخر عام 2022، أنشأ بنك نيويورك مركز الذكاء الاصطناعي الخاص به.
وقالت لي آن راسل، رئيسة قسم المعلومات ورئيسة قسم الهندسة العالمية: "عندها ضاعفنا جهودنا وأدركنا أن هذا سيُحدث نقلة نوعية للبنك. كان تركيزنا الأكبر في البداية على التمكين، من خلال توفير التدريب لجميع موظفينا في البنك".
وطوّر بنك نيويورك منصة أطلق عليها اسم "إليزا"، تستخدم مجموعة متنوعة من النماذج مفتوحة المصدر والمتاحة تجاريًا، والمتكاملة مع بيانات الشركة الداخلية وإجراءات الامتثال.
وقد أتم معظم موظفي بنك نيويورك دورة تدريبية مدتها عشر ساعات على منصة "إليزا"، بينما تقدّم آلاف آخرون خطوة إلى الأمام من خلال معسكر تدريبي مكثف في مجال الذكاء الاصطناعي، يمتد لعدة أيام، ويُساعد غير المتخصصين في الهندسة على إيجاد طرق إبداعية لأتمتة أجزاء من وظائفهم.
ويُعد اسم "إليزا" تكريمًا لإليزابيث شويلر هاميلتون، زوجة مؤسس البنك وأول وزير للخزانة الأمريكية، ألكسندر هاميلتون. وقالت لي آن راسل: "إن إتاحة هذه التقنية للجميع إحدى نقاط قوتنا التي نعتبرها دليلًا على نجاحنا حتى الآن. أجد في هذا التناقض بين التاريخ العريق لهذه المؤسسة العريقة التي يبلغ عمرها 241 عامًا وريادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، تذكيرًا رائعًا بأهمية التكنولوجيا عبر العصور".
وترجع قصة تأسيس بنك نيويورك إلى الحقبة الأولى للنظام المالي الأمريكي، وترتبط مباشرة بأحد أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة. تأسس البنك عام 1784 في مدينة نيويورك، ويعتبر أقدم بنك باقي في الولايات المتحدة حتى اليوم.
وكان وراء تأسيسه ألكسندر هاميلتون، أول وزير للخزانة الأمريكية، إلى جانب مجموعة من التجار ورجال المال في نيويورك، في حين شغل ألكسندر ماكدوغال منصب أول رئيس له، وفق موقع NYC Landmarks Preservation Commission.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن أول مقر للبنك كان في قصر قديم يُعرف باسم منزل والتون، وهو مبنى هُدم في عام 1787، ثم انتقل البنك إلى مقر صممه كالفيرت فو، مصمم حديقة سنترال بارك، وبُني عام 1858.
وكانت ساعات عمل البنك في بدايته من العاشرة صباحًا إلى الواحدة ظهرًا، ومن الثالثة عصرًا إلى الخامسة مساءً، طوال أيام السنة باستثناء أيام الأحد، وعيد الميلاد، ورأس السنة الميلادية، وعيد الاستقلال الأمريكي، والعطلات الرسمية الأخرى.
وجاء تأسيس البنك بعد فترة وجيزة من انتهاء حرب الاستقلال الأمريكية، في وقت كانت فيه الدولة الوليدة تعاني فوضى نقدية وغياب مؤسسات مالية منظمة. رأى هاميلتون أن بناء اقتصاد قوي يتطلب وجود بنك قادر على الائتمان وإدارة الدين العام والنظام المصرفي المركزي.
ومن المحطات اللافتة في تاريخه، أن بنك نيويورك يعتبر أول مؤسسة مالية تقرض الحكومة الأمريكية. وتطور البنك مع مرور الزمن، وشهد تحولًا تدريجيًا من بنك تقليدي إلى مؤسسة متخصصة في خدمات إدارة الأصول والمحافظ الاستثمارية.