فرنسا ومالي.. ما وراء «دبلوماسية الصمت»؟ (خاص)
لم تعقب فرنسا فورا على الأحداث في مالي، في صمت بدا مدروسا وبديهيا بحكم القطيعة السائدة، لكن هل تغيب باريس فعلا عن المشهد؟
استفهام يطرح نفسه في ظل الأزمة التي تشهدها مالي منذ السبت الماضي، على خلفية هجمات متزامنة شنها إرهابيون وانفصاليون وأسفرت عن مقتل وزير الدفاع والسيطرة على مدينة كيدال بالشمال.
ومنذ بداية الأحداث، اتجهت الأنظار إلى فرنسا، المستعمر التقليدي لمالي والبلد الذي كان له وجود عسكري فيه لسنوات طويلة قبل أن يضطر لسحب قواته عقب صعود المجلس العسكري إلى السلطة.
لكن صمتا دبلوماسيا ساد قصر الإليزيه، ولم يبدده سوى بيان صدر عن وزارة الخارجية بعد 3 أيام من الهجمات، وكان مقتضبا وتضمن «قلقا وتضامنا مع الماليين» دون التطرق لاسم أي من القادة.
ولاحقا، عادت باريس للواجهة مجددا بإصدار توصية عاجلة لرعاياها بمغادرة مالي في أقرب وقت ممكن.
وفي قراءات منفصلة لـ«العين الإخبارية»، يعتبر خبراء متخصصون في شؤون الساحل الأفريقي أن القرار الفرنسي بإصدار توصية عاجلة لا يمكن قراءته فقط بوصفه إجراءً احترازيًا لحماية المواطنين، بل يعكس أيضًا تغييراً في طبيعة الحضور الفرنسي في مالي، من تدخل عسكري مباشر إلى نهج أكثر حذرًا وتراجعًا تدريجيًا في الانخراط الميداني.
من جانبها، رأت محطة «فرانس.إنفو» الفرنسية أن التنسيق بين الجماعات الانفصالية والإرهابية في الهجمات الأخيرة يمثل تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، خصوصًا في ظل تراجع الدور الدولي.
«حضور مختلف»
يقول الباحث المالي في كلية العلوم السياسية بجامعة باماكو، بريما إيلي ديارا لـ«العين الإخبارية»، إن «قرار فرنسا دعوة رعاياها لمغادرة مالي لا يعني انسحابًا كاملًا من المشهد، بل يعكس «إعادة تموضع استراتيجية أكثر تحفظًا».
ويضيف ديارا أن فرنسا، التي تدخلت عسكريًا في مالي منذ عام 2013 ضمن عمليات لمكافحة الإرهاب، «كانت في البداية اللاعب الأمني الأكثر حضورًا على الأرض، لكنها اليوم باتت تدير نفوذها من الخلف، بعد تراجع قبول وجودها العسكري وتنامي التوتر مع السلطات الانتقالية في باماكو».
ويرى الباحث أن التحول نحو تقليص الانخراط المباشر لا يعني نهاية الدور الفرنسي، بل «انتقاله من التدخل العسكري المباشر إلى أدوات غير مباشرة تشمل التعاون الاستخباراتي، والدعم عبر شركاء إقليميين، وربما إعادة صياغة الشراكات داخل الاتحاد الأوروبي في الساحل» الأفريقي.
مستقبل الدور الفرنسي
بحسب ديارا، فإن هذا التغيير «فرضته عوامل سياسية وأمنية معقدة، من بينها تصاعد الخطاب المعادي لفرنسا داخل المنطقة، وفشل العمليات العسكرية طويلة الأمد في القضاء على الجماعات المسلحة، إضافة إلى تغير موازين التحالفات في مالي بعد الانقلابات العسكرية الأخيرة».
ويشير الخبير إلى أن مستقبل الدور الفرنسي «سيظل مرتبطًا بقدرة باريس على إعادة بناء الثقة مع دول الساحل، وهو أمر يبدو صعبًا في المدى القريب، لكنه غير مستحيل إذا تغيرت طبيعة المقاربة من منطق التدخل إلى منطق الشراكة المتوازنة».
من جانبه، يعتبر هاليدو تينتو، المدير في معهد الأبحاث والعلوم في واغادوغو ببوركينا فاسو، أن ما يحدث اليوم في مالي هو نتيجة «تراكم طويل من فشل السياسات الأمنية الدولية، وليس فقط تراجع الدور الفرنسي».
وفي حديثه لـ«العين الإخبارية»، يقول تينتو إن فرنسا لعبت لسنوات دور «القوة العسكرية المرجعية في المنطقة، لكن اعتماد دول الساحل عليها بشكل مفرط خلق هشاشة بنيوية في بناء الجيوش الوطنية»، وهو ما ظهر بوضوح بعد الانسحابات التدريجية للقوات الفرنسية.
وبالنسبة لـ«تينتو»، فإن المرحلة الحالية تكشف أن «المعادلة لم تعد ثنائية بين فرنسا والجماعات المسلحة، بل أصبحت ثلاثية أو رباعية الأطراف تشمل روسيا، والقوى المحلية، والتحالفات الجديدة مثل تحالف دول الساحل».
وأكد الباحث البوركيني أن فرنسا اليوم لم تعد قادرة على فرض أجندتها كما في السابق، لكنها في المقابل «لا تزال تمتلك أدوات تأثير مهمة، خصوصًا في مجالات الاستخبارات، والتعاون الأمني غير المباشر، والعلاقات الاقتصادية التاريخية».
وأشار تينتو إلى أن مستقبل فرنسا في مالي لن يكون عسكريًا، بل «دبلوماسيًا-أمنيًا منخفض الظهور»، متوقعا أن «تسعى باريس إلى البقاء داخل اللعبة دون تحمل كلفة الوجود المباشر، خاصة بعد التجارب المكلفة سياسيًا وعسكريًا في العقد الأخير».
خارطة جديدة تتشكل
وفق رأي تينتو، فإن ما يجري اليوم في مالي «ليس مجرد موجة عنف عابرة، بل إعادة تشكيل كاملة لخريطة الفاعلين المسلحين في البلاد».
وأوضح أن تداخل مصالح فصائل الأزواد مع الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة خلق واقعًا جديدًا «تتآكل فيه الحدود بين التمرد السياسي والعمل الإرهابي، وبين المطالب المحلية والمشاريع العابرة للحدود».
وأضاف الباحث أن المسلحين الأزواد، وفي مقدمتهم «جبهة تحرير الأزواد» (انفصاليون طوارق)، لا يزالون يتحركون ضمن إطار مطالب تاريخية تتعلق بالحكم الذاتي أو الانفصال في شمال مالي.
ومستدركا: «لكنهم باتوا مضطرين في السنوات الأخيرة إلى بناء تحالفات ميدانية مع أطراف ذات مرجعيات أيديولوجية مختلفة، ما يؤكد أن هذا التحول يعكس «براغماتية قاسية فرضتها طبيعة الصراع، حيث أصبح البقاء على الأرض أولوية تفوق التباينات الفكرية».
أما الطوارق، بحسب الباحث البوركيني، فهم ليسوا كتلة سياسية موحدة، بل مكون اجتماعي واسع يعيش بين عدة دول في منطقة الساحل الأفريقي.
وأشار تينتو إلى أن «انقسامهم الداخلي بين تيارات سياسية وأخرى مسلحة ساهم في تعقيد المشهد، إذ تحولت بعض المجموعات إلى جزء من الحركات الانفصالية، بينما اختار آخرون التعايش مع الدولة أو النأي بأنفسهم عن الصراع».
وهذا «التشتت»، بحسب الخبير، «جعل تمثيل الطوارق في أي تسوية سياسية مستقبلية مهمة معقدة للغاية».
وفي المقابل، تبرز «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (موالية لتنظيم القاعدة) كأحد أخطر الفاعلين في المشهد الأمني، بحسب تقدير الباحث، حيث تعتمد على استراتيجية تقوم على حرب العصابات وتوسيع النفوذ في المناطق الريفية والصحراوية.
مستقبل مالي
ومستشرفا مستقبل مالي والمنطقة، رأى تينتو أن الأمر سيعتمد على ثلاثة عوامل رئيسية، وهي: قدرة الدولة على إعادة بناء مؤسساتها الأمنية، وإمكانية تفكيك التحالفات الهشة بين الفصائل المسلحة، بالإضافة إلى شكل العلاقة المستقبلية مع القوى الدولية، وعلى رأسها فرنسا.
وأكد أن «أي حل مستدام لن يكون أمنيًا فقط، بل سياسيًا واجتماعيًا في الأساس»، في إشارة إلى عمق الأزمة التي تتجاوز البعد العسكري إلى جذور تاريخية واقتصادية ممتدة.