وُلدا في نفس اليوم لأم واحدة وفي القرية ذاتها، يتشاركان الدم والابتسامة والعيون الداكنة، ومع ذلك هما على طرفي نقيض في الحرب.
أوليكسي بوشين، 26 عاما، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأوكرانية تم أسره في عام 2022 وقضى أكثر من ثلاث سنوات، في معسكر لأسرى الحرب الروس.
والثاني فيكتور بوشين، شقيقه التوأم المتطابق، في منطقة خيرسون التي تسيطر عليها روسيا وهو الآن مجند في القوات الروسية، ومتعاون في نظر الدولة الأوكرانية. بحسب قصتهما التي طالعتها "العين الإخبارية" في صحيفة "التايمز" البريطانية.
بعد أشهر من عودته من الأسر في عملية تبادل للأسرى، روى أوليكسي كيف مزقت الحرب عائلته.

طفولة مشتركة وأحلام واحدة
نشأ الأخوان بوشين في قرية أبريكوسيفكا بمنطقة خيرسون، وكانا لا يفترقان أبدا، ويقضيان أمسيات الصيف الطويلة في العمل أو إصلاح السيارات القديمة في الفناء.
يقول أوليكسي: "كان لدينا الكثير من الاهتمامات المشتركة، وكنا نعتني ببعضنا البعض".
غير أنه عندما اندلعت الحرب في دونباس عام 2014، أراد الشقيقان الالتحاق بالجيش الأوكراني لكنهما كانا أصغر من السن القانونية.
وأضاف أوليكسي "لقد كان يشبهني تماما أثناء نشأتي، عشنا في أوكرانيا، ودعمنا أوكرانيا".
قبل الحرب أسس الشقيقان مشروعا لبيع قطع غيار السيارات. وفي عام 2019 التحق أوليكسي بمشاة البحرية الأوكرانية، بينما بقي فيكتور في المنزل لإدارة العمل، خصوصا أنه كان متزوجا ولديه طفل.
يتذكر أوليكسي ذلك اليوم قائلا "في 6 يونيو/حزيران، اتصلت به وقلت له: تعال لتوديعي في محطة القطار الساعة 8 مساء. سأغادر. سأقوم بالخدمة. كان الأمر بسيطا".

آخر لقاء
آخر مرة رأى فيها الأخوان بعضهما البعض شخصيا كانت في عام 2020. كانا رياضيين متحمسين، وبقيا على اتصال إلى حد كبير من خلال التدريب معا عبر مكالمة الفيديو.
وفي تلك الفترة كان فيكتور يعمل في بولندا لكسب المال وإرساله إلى أسرته.

الحرب تغير كل شيء
عشية الحرب التي اندلعت في فبراير/شباط 2022، كانت وحدة أوليكسي متمركزة في قرية صغيرة على مشارف ماريوبول مستعدة للدفاع عن الخط من الهجوم الروسي. بينما عاد فيكتور إلى منطقة خيرسون.
وفي غضون أيام، تم احتلال منزلهم وتعرضت وحدة أوليكسي لقصف مستمر في أحد مصانع ماريوبول الضخمة. وتكبدت وحدته خسائر فادحة.
ويصف أوليكسي تلك الأيام بقوله "إذا كان هناك قصف أو هجمات جوية، فلا يمكنك تناول الطعام أو الراحة، وحتى لو كان هادئا، فهذا يعني أن المشاة كانوا يتقدمون نحوك، وكان ذلك أكثر فظاعة". وقد اضطر الجنود إلى دفن رفاقهم في قبور ضحلة داخل ملعب لكرة القدم.
الأسر
بحلول 12 أبريل/نيسان، كانوا محاصرين ولم يجدوا أنفسهم أمام أي خيار سوى الاستسلام. ثم تعرف أوليكسي على نوع جديد من الخوف.
وأضاف: "عندما تتطاير القنابل عليك، يمكنك أن تعتاد على ذلك. ولكن بمجرد أن تستسلم بالفعل ويقودونك في صف، يجبرونك على الركوع، ويطلبون منك أن تغمض عينيك وتفكر في أن هذا هو الحال".
نُقل أولا إلى ثكنة صغيرة في منطقة دونباس، حيث تم احتجازه مع مئات الأسرى الآخرين. ولاحقا جرى نقله إلى معسكر أسرى في مدينة كوستروما الروسية.
الصدمة
لكن أسوأ لحظات الأسر لم تكن قد جاءت بعد. ففي صباح أحد الأيام تلقى رسالة من أخته. وكتبت أنها ووالدتهما كانتا في أوديسا، وأن والده أقام مع عائلة أخرى في الأراضي التي سيطرت عليها روسيا. أما فيكتور فلم يكن هناك أي خبر عنه.
ثم استدعاه الحراس الروس إلى غرفة الاستجواب. نظر أحدهم إلى أوليكسي وقال: "إنه يبدو متشابها حقا ولكن الآخر أكبر حجما، وهذا نحيف نوعا ما".
سأل الحارس: هل تريد العودة إلى بيت أخيك؟ قال أوليكسي بالطبع.
عندها عرض عليه الحارس الحصول على جواز سفر روسي مقابل السماح له بالعودة إلى أخيه.
لكن أوليكسي رفض قائلا "قلت: لا، هذا ليس مناسبا لي، لا أوافق على ذلك".
في تلك اللحظة أخبره الحراس أن فيكتور تعاون مع الروس، وبعد فترة اكتشف أن شقيقه انضم بالفعل إلى الجيش الروسي.

في يونيو/حزيران 2024 ظهر أوليكسي في مقابلة على التلفزيون الحكومي الروسي وهو داخل السجن، هزيلا وحليق الرأس، يردد نصا يطالب فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالإسراع في إطلاق سراح الأسرى.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه ظهر فيكتور على وسائل الإعلام الروسية مرتديا الزي العسكري الروسي، خلال عرض في شبه جزيرة القرم إلى جانب مجندين أوكرانيين آخرين من الأراضي التي سيطرت عليها موسكو.
وقال في المقابلة: "سأكون صريحا. لم أخدم في الجيش الأوكراني. كنت أحلم بالخدمة هنا في الجيش الروسي. وأرغب في مواصلة هذا الطريق والتقدم في السلم الوظيفي.
لماذا انضم فيكتور؟
لا تزال دوافع فيكتور الحقيقية غير واضحة. ويعتقد أوليكسي أنه لو لم ينضم إلى مشاة البحرية الأوكرانية ولم يقع في الأسر، لما اضطر شقيقه إلى التعاون مع الروس.
كما يعتقد أن شقيقه تعرض للابتزاز والتهديد بإيذاء توأمه. على حد قوله.

حياة جديدة بعد الأسر
بعد إطلاق سراحه، أسس أوليكسي منظمة خيرية تحمل اسم "الحياة بعد الأسر: النفس الثاني"، لمساعدة العسكريين العائدين من الأسر على التأقلم مع حياتهم الجديدة والتعامل مع الصدمات النفسية التي عاشوها.
ويتذكر لحظة عودته إلى أوكرانيا بعد سنوات من المعاناة قائلا "بدأنا جميعا بالبكاء". مضيفا "كانت أقوى لحظة عندما دخلت الحافلة إلى الأراضي الأوكرانية ورأيت الأطفال يلوحون لنا".
كما التُقطت له صورة مؤثرة وهو يتحدث مع والدته عبر الهاتف، باكيا، بعد أن سمع صوتها للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.
وهكذا انتهت قصة توأمين وُلدا في اليوم نفسه وتشاركا كل شيء تقريبا، قبل أن تضعهما الحرب على طرفي نقيض من ساحة المعركة.