سياسة

السحر والخرافة أم العقل والعلم؟

الخميس 2016.4.14 01:24 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 116قراءة
  • 0 تعليق
حسني حنفي

تكرر إعلان طويل تليفزيونى فى إحدى القنوات عن الشيخ المغربى والشيخة المغربية، بصرف النظر عن الاسم حسن وحسنية، اللذين يعالجان من الجن وربما العفاريت عن طريق القراءة الصحيحة للكتب والسنة ضد قراءات أخرى كاذبة لنفس النصين لتحقيق نفس الهدف. يعيد الحبيبين فى ظرف ساعات، والمطلقات خلال أيام. يسعد البائس الشقى. وقد تمت تجربته فى الإسكندرية ونجح أيما نجاح. وهو إعلان طويل يبدو عليه الجديد، مصور بالكتاب والسنة ويمكن تحليل نص الإعلان تحليلا أعمق كما هو الحال فى علم تحليل النص ولكن يكفى الكشف عن روحه ومدى إضراره بالثقافة العامة التى طالما حاولت حركات الإصلاح حمايتها. كما حاول الفكر العلمى الدفاع عن نفسه ضد هذه الاتجاهات التى تعتمد على السحر والخرافة وكأننا مازلنا فى عصر موسى وعصاه السحرية. ولا ندرى كم من الآلاف تستجيب إلى مثل هذا الإعلان حتى تسعد المطلقة وتعود إلى بيتها، ويعود الحبيبان إلى بعضهما البعض خلال ساعات، والقدرة على التخلص من القرين أى من الجن أو العفريت الذى دخل فى قاع الإنسان ولم يخرج.

والمغرب موطن السحر والتصوف. ومعظم الصوفية فى مصر نازحون من المغرب مثل المرسى أبوالعباس بالإسكندرية والسيد البدوى فى طنطا. ومعروف حى المغاربة بالإسكندرية بردائهم ودفوفهم وأغانيهم، وشيوخهم أصحاب الطرق والكرامات، ومنها الشفاء بالكتاب والسنة. ويرفض الإعلان ما يقوم به الآخرون بالتعرض للكتاب والسنة للشفاء وهو غير صحيح مع أن النص واحد. فكل شيخ يدعى أن قراءته صحيحة، وأن أفعاله شافية، وأنه قادر على تخليص المجاذيب من الجن والعفاريت! ثقافة سحرية فى بيئة سحرية، والإعلام يروج لذلك دون رقابة أو استدراك من أزهر أو من وزارة إعلام أو أوقاف التى تقاضى من يفتح فمه بشىء ضد الاعتقادات الشعبية المألوفة بتهمة ازدراء الأديان.

وبهذه الطريقة ندمر بأيدينا من خلال الإعلانات التجارية ما بنيناه منذ قرنين من الزمان، من نهضة عقلية وعلمية، عقلانية الطهطاوى ومحمد عبده ومدرسته والدعوة لإنشاء الجامعة المصرية. وعلم شبلى شميل وفرح أنطون وسلامة موسى وإسماعيل مظهر وزكى نجيب محمود، وفؤاد زكريا. كما طبق طه حسين منهج الشك الديكارتى فى روايات الشعر الجاهلى مؤسسا مدرسة النقد التاريخى الحديث. وقد ارتبط ذلك كله بمرحلة النهوض وبناء ثورة 1919.

والآن ونحن فى مرحلة الانكسار نهدم بأيدينا ما بنيناه بعقولنا. ونلجأ إلى السحر والخرافة طالما عجزنا عن إعمال العقل والاعتماد على نتائج العلم. ولكن فى الثقافة الشعبية مازال تصور عصا موسى هو السائد، الحية الكبيرة التى ابتلعت الحيات الصغيرة لسحرة فرعون. ومازالت معجزات الأنبياء فى الوعى الدينى، يونس فى بطن الحوت أربعين يوما، عيسى وشفاء الأمراض بل وإحياء الموتى. وينتقل تاريخ المعجزات إلى محمد فلا يبقى منه سوى الإسراء والمعراج كما روته كتب السنة خاصة البخارى بالرغم من قول الرسول «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِى السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَراً رَسُولاً». وماذا عن دعوة القرآن الناس إلى إعمال العقل «أَفَلا تَعْقِلُونَ»، وإلى التفكير «أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ»؟ وماذا عن علم أصول الفقه ومبحث العلة، أن لكل حدث علة وأنه لا شىء يقع فى العلم دون أسباب مما يمنع توقع حدوث أشياء خارج نطاق التعليل مثل المعجزات والكرامات. كانت المعجزات وسيلة للإقناع حتى المسيح. وهو معجزة، مولده وحياته ومماته وبعثه. ويدعى الصوفية أنهم أصحاب كرامات أى الإتيان بأفعال بلا أسباب وهو ما يرفضه معظم الفقهاء. فتراث المشايخ المغربى ضعيف. يجمع بين السحر والخرافة. فى حين أن تراث العقل والعلم أقوى بكثير. وهو ما تحتاجه الشعوب العربية فى عصرها الراهن.

وأخيرا، كم يكلف مثل هذه الإعلان؟ وما مصادر تمويله؟ ومن يكتب نصه؟ وما الهدف منه؟ ألا توجد رقابة على الإعلانات من هيئة علمية تدافع عن الثقافة العقلانية العلمية وهى ركيزة النهضة منذ قرنين من الزمان؟ كيف توجد رقابة على البرامج السياسية خشية أن يمس متكلم مسئولا كبيرا بمن فى هؤلاء الرئيس؟ ولا توجد رقابة على الخرافات التى تذاع فى القنوات وفى مواد دينية ظنية، ابتداء من نعيم القبر وعذابه إلى الصراط والحوض وهى أشياء لم يرها أحد ولكن تناقلتها الروايات التى فى حاجة إلى نقد؟

ربما يلجأ الناس إلى مثل هؤلاء الأدعياء، المتمسكين بالكتاب والسنة لإعطاء الشرعية لهم نظرا لطول الانتظار عند أطباء المدينة وغلاء أسعارهم، وندرة الأدوية، وبهدلة المريض فى المستشفيات الحكومية. يكفر بدواء الأرض ويلجأ إلى من يدعى أن لديه دواء من السماء. وهم لا يقلون سرقة واستغلالا عن أطباء العيادات والمستشفيات الخاصة. والعلاج الإقليمى خارج مصر أفضل من العلاج المحلى الذى ساءت سمعته. فى حين أن الإقليمى الوافد من الخارج لا يتحمل مثل هذا السوء فى الفهم. والآخر الإقليمى يأتى إليه. فالمسافة ليست بعيدة، فى يوم معلوم، أفضل من انتظار الطبيب الأجنبى شهورا وشهورا. هى كلها حالة من الاغتراب، الاغتراب عن العقل والعلم، والوقوع فى براثن السحر والخرافة.

والسؤال هو: هل مر أحد بهاتين التجربتين المغربيتين للشيخ والشيخة وصدقهما؟ أم أنه استمرار للوهم السائد فى كثير من الأمور فى الثقافة الشعبية؟ ومن يصدق المريض: طبيب الدنيا الذى يعمل باسم الآخرة بالرغم من صعوبة تكلفة الوصول إليه، أم طبيب الآخرة الذى يعمل فى الدنيا باسم الآخرة؟

* نقلاً عن جريدة "المصري اليوم"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات