سياسة

تفعيل القانون ضمان للتسامح والاستقرار

الخميس 2016.4.21 11:27 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 111قراءة
  • 0 تعليق
دكتور قدري حفني

أصبحت عبارة «العلاقة بالآخر» تتصدر خطاباتنا اليومية بكثافة غير مسبوقة، مصحوبة بتلك الدعوة المتكررة لتعديل خطابنا الدينى الإسلامى والمسيحى ليصبح أكثر تسامحا وتقبلا للآخر؛ وتعديل خطابنا الفكرى والسياسى لنصبح أكثر تقبلا للخطابات المخالفة لتوجهاتنا.
وغنى عن البيان أن أحدا لا تغيب عنه تلك التفرقة الضرورية الواجبة بين «الخطاب الديني» و«العقيدة الدينية»؛ ومن ثم فلا مجال لدعوة لتعديل العقائد و لا حتى لحوار بين العقائد والأديان؛ فتعبيرات مثل «الحوار» و«الخطاب» لا تخرج عن كونها أنماطا من السلوك البشرى أو التفاعل بين البشر و من ثم فإنها قابلة للتعديل والتطوير والتغيير بما يوافق الزمان والمكان والمصالح، دون مساس بالعقائد التى تتصف بالثبات المطلق عند معتنقيها، والتى لا تفصح عن نفسها إلا من خلال أنماط من السلوك الدينى الظاهر. إن أحدا لا يمكن أن يعرف أننى مسلم إلا إذا نوديت باسمى الإسلامي، أو بسملت أو حوقلت أو قمت إلى الصلاة عند رفع الأذان إلى آخر تلك الأنماط و المظاهر السلوكية الظاهرة؛ وكذلك الحال بالنسبة للمسيحي. 

ولعل تلك المقدمة تكتسب ضرورتها من أن الكثير منا حين يبدى ترحيبه بالحوار مع «الآخر» المختلف دينا أو فكرا، قد يضمر أن يسعى من خلال ذلك الحوار إلى إقناع ذلك «الآخر» بفساد معتقداته وأفكاره و من ثم محاولة كسبه إلى جانبه، أى أن الحوار يصبح فى هذه الحالة نوعا من مقارعة الحجة بالحجة وهو أمر يزداد خطورة فى مجال العقائد والأفكار الإيديولوجية والسياسية الراسخة؛ و قد أثبتت الخبرة البشرية التاريخية أن انتشار أو انكماش أعداد معتنقى العقائد الدينية بل والأفكار السياسية، لا يتأثر بالحجج والأسانيد العقلية المجردة بقدر ما يتأثر بعوامل أخرى على رأسها النموذج الأخلاقى الذى يجسده الداعية لتلك الأفكار التى يعتنقها، فضلا عن توافر الاستعداد النفسى الروحى لتقبل الأفكار و الإيمان بها. 

وقد يبدو للبعض أن المقصود بالخطاب المتسامح هو أن نتسامح مع «الآخرين» باعتبارهم قد اعتنقوا الفكر أو العقيدة «الخطأ»، أو أن نغض الطرف عن مجرم لأنه ارتكب جريمته بدافع الغيرة على الدين أو الوطن، فليس ذلك بحال المقصود بالتسامح و إلا عمت الفوضى وازدادت جرائم الفتن الطائفية والسياسية. 

المقصود بالتسامح هو أن يلتزم الجميع السماح لبعضهم البعض بممارسة مختلف معتقداتهم وأفكارهم الدينية والسياسية باعتبارها حقا خالصا لهم، و ليس تفضلا عليهم من أحد، أما خارج هذا الإطار، فينبغى أن يسود بين الجميع العدل و مجموعة القيم اللصيقة به مثل الاحترام و الصدق والسلام والتعاون والأمانة. 

ورغم أن الأديان جميعا تدعو لتلك القيم، وأنه لا يوجد دين سماوى يدعو أتباعه إلى العنف والظلم وغيرها من الرذائل؛ إلا أن ثمة تأويلات متباينة حتى للعقيدة الدينية الواحدة، وأن تلك التأويلات تختلف من حيث رؤيتها للأسلوب الأفضل للتعامل مع الآخر المختلف عقائديا، وأن كل تأويل من تلك التأويلات المتباينة يلتمس لنفسه العديد من الأسانيد الفقهية الدينية «الصحيحة» التى تبرر موقفه، والتى يصعب على غير المتخصصين تفنيدها، وحتى لو قاموا بذلك فسوف يظل الأمر متوقفا فى النهاية على مصداقية ذلك التفنيد لدى الجمهور وهى قضية أخرى تحتاج إلى معالجة مستقلة مستفيضة. 

إن الموقف الفكرى الذى يتفق مع هذه الدعوة للتسامح والقبول بالآخر هو ذلك التأويل الذى يسلم بأن تعدد الأديان واختلاف الأفكار إنما يعبر عن إرادة الله عز وجل؛ و أنه لا مناص من القبول بتلك الحقيقة، و أن أحكام القانون ينبغى أن تسرى على الجميع دون تمييز؛ فلا مجال لمراعاة خاطر مواطن أقدم على جريمة بحجة أن ما دفعه لارتكابها إفراط فى غيرة على الوطن أو تشدد فى غيرة على عقيدته الدينية، ولا بد من نشر الوعى بتلك القاعدة القانونية التى تؤكد أن العقوبة شخصية و أنه لا مجال فى شريعة دينية أو قانون مدنى لتبرير العقوبة الجماعية، فالمجرم يتحمل وحده وزر جريمته بصرف النظر عن ديانته أو موقفه السياسى أو الديني، دون أن تشمل تلك العقوبة جموع من يشاركونه العقيدة أو الموقف السياسي. 

إن القيادات الدينية المسيحية والإسلامية على حد سواء على تعدد منابرها تعد بمثابة المرجعيات التى يلجأ إليها المواطنون لالتماس الفتوى فى شئون دينهم، كذلك فإن الدولة المصرية تلجأ إلى الكنيسة و إلى الأزهر لاستطلاع الرأى فى الشأن الدينى للمواطنين المصريين المسلمين والمسيحيين، ولا يعنى ذلك أن تصبح تلك القيادات ممثلة سياسية لأتباعها أمام الدولة المصرية الملتزمة بمبدأ المواطنة، والتى ينبغى أن تمثل المصريين جميعا، والتى يخضع لدستورها المصريون جميعا. 

ولكى يتحقق ذلك فعلى الدولة المصرية أن تؤكد فى ممارساتها اليومية أنها دولة كل المصريين التى تلتزم بالعدل بينهم، فلا تسمح بتمييز طائفى أو سياسي، و ألا تخضع لابتزاز دينى أو سياسى من أى طرف، و ألا تتهاون فى إعمال روح الدستور فى الضرب بشدة على يد كل من يقترف جريمة حتى لو كانت دوافعه دينية أو وطنية خالصة. 

أصبحت عبارة «العلاقة بالآخر» تتصدر خطاباتنا اليومية بكثافة غير مسبوقة، مصحوبة بتلك الدعوة المتكررة لتعديل خطابنا الدينى الإسلامى والمسيحى ليصبح أكثر تسامحا وتقبلا للآخر؛ وتعديل خطابنا الفكرى والسياسى لنصبح أكثر تقبلا للخطابات المخالفة لتوجهاتنا.
وغنى عن البيان أن أحدا لا تغيب عنه تلك التفرقة الضرورية الواجبة بين «الخطاب الديني» و«العقيدة الدينية»؛ ومن ثم فلا مجال لدعوة لتعديل العقائد و لا حتى لحوار بين العقائد والأديان؛ فتعبيرات مثل «الحوار» و«الخطاب» لا تخرج عن كونها أنماطا من السلوك البشرى أو التفاعل بين البشر و من ثم فإنها قابلة للتعديل والتطوير والتغيير بما يوافق الزمان والمكان والمصالح، دون مساس بالعقائد التى تتصف بالثبات المطلق عند معتنقيها، والتى لا تفصح عن نفسها إلا من خلال أنماط من السلوك الدينى الظاهر. إن أحدا لا يمكن أن يعرف أننى مسلم إلا إذا نوديت باسمى الإسلامي، أو بسملت أو حوقلت أو قمت إلى الصلاة عند رفع الأذان إلى آخر تلك الأنماط و المظاهر السلوكية الظاهرة؛ وكذلك الحال بالنسبة للمسيحي. 

ولعل تلك المقدمة تكتسب ضرورتها من أن الكثير منا حين يبدى ترحيبه بالحوار مع «الآخر» المختلف دينا أو فكرا، قد يضمر أن يسعى من خلال ذلك الحوار إلى إقناع ذلك «الآخر» بفساد معتقداته وأفكاره و من ثم محاولة كسبه إلى جانبه، أى أن الحوار يصبح فى هذه الحالة نوعا من مقارعة الحجة بالحجة وهو أمر يزداد خطورة فى مجال العقائد والأفكار الإيديولوجية والسياسية الراسخة؛ و قد أثبتت الخبرة البشرية التاريخية أن انتشار أو انكماش أعداد معتنقى العقائد الدينية بل والأفكار السياسية، لا يتأثر بالحجج والأسانيد العقلية المجردة بقدر ما يتأثر بعوامل أخرى على رأسها النموذج الأخلاقى الذى يجسده الداعية لتلك الأفكار التى يعتنقها، فضلا عن توافر الاستعداد النفسى الروحى لتقبل الأفكار و الإيمان بها. 

وقد يبدو للبعض أن المقصود بالخطاب المتسامح هو أن نتسامح مع «الآخرين» باعتبارهم قد اعتنقوا الفكر أو العقيدة «الخطأ»، أو أن نغض الطرف عن مجرم لأنه ارتكب جريمته بدافع الغيرة على الدين أو الوطن، فليس ذلك بحال المقصود بالتسامح و إلا عمت الفوضى وازدادت جرائم الفتن الطائفية والسياسية. 

المقصود بالتسامح هو أن يلتزم الجميع السماح لبعضهم البعض بممارسة مختلف معتقداتهم وأفكارهم الدينية والسياسية باعتبارها حقا خالصا لهم، و ليس تفضلا عليهم من أحد، أما خارج هذا الإطار، فينبغى أن يسود بين الجميع العدل و مجموعة القيم اللصيقة به مثل الاحترام و الصدق والسلام والتعاون والأمانة. 

ورغم أن الأديان جميعا تدعو لتلك القيم، وأنه لا يوجد دين سماوى يدعو أتباعه إلى العنف والظلم وغيرها من الرذائل؛ إلا أن ثمة تأويلات متباينة حتى للعقيدة الدينية الواحدة، وأن تلك التأويلات تختلف من حيث رؤيتها للأسلوب الأفضل للتعامل مع الآخر المختلف عقائديا، وأن كل تأويل من تلك التأويلات المتباينة يلتمس لنفسه العديد من الأسانيد الفقهية الدينية «الصحيحة» التى تبرر موقفه، والتى يصعب على غير المتخصصين تفنيدها، وحتى لو قاموا بذلك فسوف يظل الأمر متوقفا فى النهاية على مصداقية ذلك التفنيد لدى الجمهور وهى قضية أخرى تحتاج إلى معالجة مستقلة مستفيضة. 

إن الموقف الفكرى الذى يتفق مع هذه الدعوة للتسامح والقبول بالآخر هو ذلك التأويل الذى يسلم بأن تعدد الأديان واختلاف الأفكار إنما يعبر عن إرادة الله عز وجل؛ و أنه لا مناص من القبول بتلك الحقيقة، و أن أحكام القانون ينبغى أن تسرى على الجميع دون تمييز؛ فلا مجال لمراعاة خاطر مواطن أقدم على جريمة بحجة أن ما دفعه لارتكابها إفراط فى غيرة على الوطن أو تشدد فى غيرة على عقيدته الدينية، ولا بد من نشر الوعى بتلك القاعدة القانونية التى تؤكد أن العقوبة شخصية و أنه لا مجال فى شريعة دينية أو قانون مدنى لتبرير العقوبة الجماعية، فالمجرم يتحمل وحده وزر جريمته بصرف النظر عن ديانته أو موقفه السياسى أو الديني، دون أن تشمل تلك العقوبة جموع من يشاركونه العقيدة أو الموقف السياسي. 

إن القيادات الدينية المسيحية والإسلامية على حد سواء على تعدد منابرها تعد بمثابة المرجعيات التى يلجأ إليها المواطنون لالتماس الفتوى فى شئون دينهم، كذلك فإن الدولة المصرية تلجأ إلى الكنيسة و إلى الأزهر لاستطلاع الرأى فى الشأن الدينى للمواطنين المصريين المسلمين والمسيحيين، ولا يعنى ذلك أن تصبح تلك القيادات ممثلة سياسية لأتباعها أمام الدولة المصرية الملتزمة بمبدأ المواطنة، والتى ينبغى أن تمثل المصريين جميعا، والتى يخضع لدستورها المصريون جميعا. 

ولكى يتحقق ذلك فعلى الدولة المصرية أن تؤكد فى ممارساتها اليومية أنها دولة كل المصريين التى تلتزم بالعدل بينهم، فلا تسمح بتمييز طائفى أو سياسي، و ألا تخضع لابتزاز دينى أو سياسى من أى طرف، و ألا تتهاون فى إعمال روح الدستور فى الضرب بشدة على يد كل من يقترف جريمة حتى لو كانت دوافعه دينية أو وطنية خالصة. 

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات