سياسة

محنة الثانوية العامة

الخميس 2016.6.16 10:17 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 99قراءة
  • 0 تعليق
أحمد يوسف أحمد

هى فى الواقع ليست محنة الثانوية العامة وحدها, وإنما هى محنة النظام التعليمى برمته بل هى تمتد للأسف لتكون محنة مجتمعية

ولم يبالغ القائلون بأنها تهدد الأمن القومى أو الدولة المصرية بمعنى محدد وهو أن هذه المحنة تؤثر عليهما ،

وقد استعادت ذاكرتى حدثاً أليماً مضى عليه أقل قليلاً من نصف قرن عندما سربت الإذاعة الإسرائيلية فى مثل هذه الأيام امتحانات الثانوية العامة مما أدى إلى إلغائها،

وكانت الرسالة واضحة وهى أن تبث فينا الإحساس بالعجز عن النجاح فى أى شيء ، ولا أقصد بذلك أى تلميح إلى مؤامرة خارجية, وإنما أن تسريب امتحانات الثانوية العامة على النحو الذى تم هذه المرة يمس أداء الدولة المصرية ،

إذ لا شك أن وقائع التسريب تشير إلى إخفاق مؤسسى فادح, فقد أكد الوزير المسئول وكذلك المسئولون عن امتحان الثانوية العامة أنه لن يكون هناك أى تسريب وأن خططاً محكمة قد وضعت لضمان ذلك, ومن هنا فإن المسئولية السياسية واضحة ، وأعلم أن الوزير الحالى ليس مسئولاً بطبيعة الحال عن تراكمات امتدت عقوداً ولكن المسئولية هى المسئولية ،

وقد قرأت تصريحاً لنقيب المعلمين أرجو ألا يكون صحيحاً مفاده أن الوزير ليس هو المسئول وإنما المسئولون هم المحيطون به وهو ما يناقض مفهوم المسئولية السياسية أصلاً، فالوزير هو من يختار المحيطين به، وأشير فى هذا السياق إلى من ألمحوا أو صرحوا بأن الإخوان وراء هذه الكارثة ،

ولست فى موقع يمكننى من الحكم على هذا الاتهام, ولكنه بدوره لا ينفى مسئولية الوزير لأنه لو كان هذا صحيحاً فلماذا أبقاهم فى مواقع تمكنهم من هذا الفعل خاصة أن ثلاث سنوات قد مرت على إقصائهم.

ضرر الكارثة فادح إذ إن ما حدث من تسريب وغش يعنى تزييفاً للقدرات وعصفاً بتكافؤ الفرص, من شأن نتائجهما أن تهدد بحرمان المجتمع من خيرة أبنائه الذين لن يتيح لهم هذا التزييف أن يخدموا وطنهم فى المكان الأمثل لقدراتهم ، والمشكلة أن محنة الثانوية العامة ليست سوى الرأس الفاسد الطافى لنظام تعليمى متهالك سقط فيه دور المدرسة أو أُسقط لحساب الدروس الخصوصية الفردية والجماعية ،

وليت هذه الدروس تصلح ما فسد وإنما هى تكرس التخلف فى التكوين المعرفى لأبنائنا ، ويكفى أن نعرف أن جل الجهود فى هذا النظام الموازى المنحرف للتعليم يتجه إلى محاولات التنبؤ بما سوف يكون عليه الامتحان, بحيث يتم التعامل مع الطلاب وكأنهم قرود تُدرب على حركات معينة حتى تتقنها تماماً دون أن تعى منها شيئا,ً فيصل أبناؤنا إلى الجامعة وهم فاقدون أى ملكة معرفية حقيقية إلا من رحم ربى وهداه إلى طريق الصواب بفضل أسرة واعية أو مَدرَسة نجت بنفسها أو مدرسين يحتفظون بالقيم الحقة التى تمليها عليهم رسالتهم السامية ،

بل لقد وصل الحال مع شيوع تسريب الامتحانات إلى أن أصبح الأساتذة فى هذه المراكز يدربون الطلاب على فن التمييز بين امتحان مسرب زائف وآخر حقيقى ، لكن الأسوأ أن الكارثة امتدت إلى المجتمع بأسره ، فمن الثابت أن عمليات شائنة تتم لنقل أبناء «المحظوظين» من لجانهم الأصلية إلى لجان ذائعة الصيت فى مضمار التسامح فى الغش،

ومعروفة هذه اللجان مكاناً وإسماً، وقد أدى الموقف الشجاع لرئيس أشهر لجان الغش والذى اعتذر فيه للوزير عن عدم الاستمرار فى رئاسة لجنة لا يستطيع السيطرة عليها إلى اتخاذ بعض إجراءات وصلت إلى حد الاستعانة بقوات الجيش التى تحمى من الخارج, ولكنه ليس بمقدورها بطبيعة الحال أن تحل محل المراقبين الذين يتم ترويعهم والاعتداء عليهم ،

بل إن قيمة الغش قد شاعت فى المجتمع, ولا أنسى أولياء الأمور منذ سنوات الذين دأبوا على التجمهر بجوار اللجان وإذاعة أجوبة الامتحانات بمكبرات الصوت فأين المفر ؟ 

من الصعب الحديث فى هذا الحيز الضيق عن العلاج لكنى ألفت النظر فى عجالة إلى ملاحظتين رئيسيتين على أمل العودة إلى الموضوع لاحقاً ، والملاحظة الأولى أن كثيراً من الصخب الذى ثار فى هذا الصدد يتعلق بالعرَض وليس بالمرض ،

وأضرب مثالا بالمطالبة بالتشويش على لجان الامتحانات لمنع الغش اللاسلكى إذا جاز التعبير إذ إن هذا يفترض أننا ننوى الاستمرار طويلاً على هذا الحال ،

فالأصل أن نمنع التسريب ولا بأس من وسائل لمواجهته ، والملاحظة الثانية أن مواقع الغش على صفحات التواصل الاجتماعى التى تدعى أنها تفعل ذلك لإصلاح,

النظام التعليمى تطرح أفكاراً معينة للإصلاح وأيدها فى ذلك نفر من الطلاب ويعنينى منها المطالبة بإسقاط نظام التنسيق وإحلال القبول بالقدرات فى الجامعة محله ،

وبئس الاقتراح الذى من شأنه أن يجهز على البقية الباقية من المساواة فى هذا النظام ، ففى ظل القبول بالقدرات سوف يزدهر الفساد أضعافاً مضاعفة ويُلقى بأبنائنا المتفوقين على قارعة الطريق إذا لم يكن لهم سند ، ولا يعنى هذا الرضا بنظام التنسيق لكن عيوبه تنبع من عيوب النظام التعليمى ذاته,

ومن ثم فإن القضاء عليها يتم بثورة فى هذا النظام وهذه مهمة تقع فى قلب عملية بناء مستقبل الوطن . 

 

*نقلا عن جريدة "الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات