سياسة

ثقافـة الإعــلانات

الأحد 2016.6.19 10:23 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 137قراءة
  • 0 تعليق
د. سامية الساعاتى

بين الإعلام، والإعلان، والثقافة، علاقة تفاعلية. ونجاح الإعلان يرتبط بالمجتمع، والثقافة، وتؤثر إعلانات التليفزيون، وهى أحد الأنشطة الإعلامية، فى تشكيل وعى مشاهدى التليفزيون، من أفراد الشعب المصرى، حين تؤكد القيم الإيجابية، وتسهم فى استبعاد العادات، والمعتقدات السلبية فى المجتمع . 

والإعلان ليس تعبيرا ذاتيا من جانب المعلن، وإنما هو تعبير موضوعى لعقلية الجماهير، ولروحها، وميولها، واتجاهاتها، وهو أيضا تعبير صادق، قائم على الحقائق حينا، وعلى الأرقام حينا آخر. وكليهما معا فى أغلب الأوقات. وقد وجد أحد ارتباط الرسالة الإعلانية بحاجات الفرد نفسه، يعد من أهم عوامل نجاحها. 

ويرتبط الإعلان بعملية نميل إليها كلنا بطبعنا، فالإنسان كما يقول «كلاكون» حيوان مقوم فهو دائما أبدا، وفى كل زمان، ومكان، يقوم الأشياء أى يصدر أحكاما قيمية، عليها، فهذا له قيمة، وذاك ليس له قيمة، وهذا طيب، وذاك ردىء، وهذا أحسن من ذاك. 

وعملية التقويم هذه لا تتضح فحسب فى مجال التعبير بالاستحسان والاستهجان، بل إن مجالها أساسا هو مجال السلوك، والأفعال والتفصيل، والاختيار، فالفرد دائما يسائل نفسه: أى الطرق أفضل؟ أى الأمور أسلم؟ أى الأشياء أجمل؟ أى الفروض أوصب؟ أى الكلمات أدق فى نقل أفكاري؟ أى السلوك أفيد فى تقوية مكانتى؟ أى الآراء أصدق؟ وهكذا.. 

وإذا ما تحدثنا عن اعلانات التليفزيون فى مصر بشكل متعمق، فسوف نلاحظ أنها تنحو إلى الازدياد والتواتر ففى فترة التسعينيات على سبيل المثال كان بث الإعلانات يقتصر على فترات محددة قبل المسلسل مثلا، أو الفيلم، أو المباراة وكانت القنوات التليفزيونية جميعها عددها ثلاث قنوات، فى ذلك الوقت. 

كما كانت اعلانات التليفزيون وقتها تتسم بالمضمون المحترم، الذى يؤثر تأثيرا إيجابيا فى جمهور المشاهدين، كما كانت بعض هذه الإعلانات تستخدم فن «الكاريكاتير» بشكل جذاب لتصل إلى تحقيق سلوك ايجابى، واستبعاد سلوك سلبى يضر بالمجتمع ولايزال الكثير منا يتذكر الإعلان «الكاريكاتيرى» «لست سنية» «اللى سايبة الميه ترخ.. ترخ.. من الحنفية» وكان يدور حول ترشيد استخدام المياه فى المنازل ومع استقبالنا للألفية الجديدة، زاد عدد القنوات الفضائية ومنها قنوات كانت ترسل أربع وعشرين ساعة بلا انقطاع، وبالتالى ازداد عدد الإعلانات ازديادا ملحوظا، لكننا نلاحظ أن الإعلانات زادت كما على حساب الكيف. 

ومع ظهور قنوات فضائية جديدة لا نعرف منها القانونى، من غير القانونى، من حيث المصدر، لاحظنا بالتبعية مضمونات لعلانية غريبة ينقصها الاحترام، والالتزام، فمن جانب الاحترام نجد أن الألفاظ المستخدمة فيها دون المستوى بكثير، أما الالتزام فهى ترويج لأدوية مغشوشة. أو فاسدة مثل شاى التخسيس، والسكر، وآلام العظام.. الح. 

وبناء على مشاهداتى لإعلانات كثيرة من خلال التليفزيون المصرى، فى الآونة الأخيرة لاحظت ـ من خلال موقعى كأستاذة علم اجتماع ـ أن أرصد اعلانات سلبية كثيرة، مقابل اعلانات إيجابية نادرة. فعلى سبيل المثال هناك اعلان بطلته فلاحة مصرية، لطيفة المظهر.. زوجها فى سفر تنتظره هى وتقول: جوزى راجع من السفر،، وأنا جهزاله، وباتزوجله وطبخاله الأصناف اللى بيحبها، وكل العيلة شهدتلى وهكذا تكريس أن المرأة الريفية تعمل من أجل الرجل وتخدم من أجل الرجل،، وحياتها بدون الرجل لا قيمة لها. إن هذا الإعلان يرجع بالمرأة سنين إلى الوراء حيث تتبلور قيمتها ويتلمسن دورها فى كونها منجبة ونافعة للرجل فقط. والإعلان الذى يقطر سلبية، ويوجع القلب فعلا أرصد أخفها اعلان تفتتحه أم. بمناداة ابنها، وتنعته بشتائم مقذعة أرصد «أنت يا نيلة، يا نيلة النيلة «يا مدهول« أغسل الأطباق، ونظف الأرضية، ووو، ومن كثرة الأعباء التى اسندتها اليه، كسر شيئا فى الغسالة.. والغسالة هنا هى بيت القصيد، ومع أن ابنها قد جرح جرحا بالغا، فإنها تقول له سنستدعى مهندس الصيانة أولا، ثم أذهب بك إلى الدكتور. أمن أجل غسالة فى إعلان، تهدر عزيزة الأمومة، وتقال ألفاظ جارحة من أم إلى ابنها فى جو أسرى ممتهن. 

فكل هذا من أجل القائمة بالدور فى الإعلان، التى تقول فى نهاية الإعلان: لو كنتى عاوزة تصلحى أى شىء فى هذه الغسالة: أتصلى بخدمة... 

والغريب أن بطلة الإعلان فنانة محبوبة تعمل بالتمثيل وهى كريمة لفنان مرموق، وممثل له دوره البارز فى السينما المصرية. 

أما الإعلان الثالث، وهو غاية فى الأهمية، لأنه يحاصرنا فى كل وقت.. وهو من الأكل اللى يشمرله، وهى كلمة قديمة تستخدم فى الريف المصرى، حين كان أهل هذه القرى، يرتدون جلبابا ذات أكمام واسعة لابد من تشميرها عند أكل الطيور واللحوم، حتى يستمتعوا بطعمها، ويحسوا بأنهم قد تهيأوا لأكلها بجدية. ألم تستلفت نظر السيد وزير الثقافة، الذى عرف باهتماماته المستنيرة، وتأكيده على الأفكار التنموية والإبداعية، انحسار تأثير الثقافة، والكتاب بالذات فى اعلانات التليفزيون والدلالات، والرهانات. المتصلة. 

 

نقلاً عن " الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات