ثقافة

المجتمع الاستهلاكى كظاهرة ثقافية

الإثنين 2016.7.4 12:17 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 573قراءة
  • 0 تعليق
د‏.‏ جلال أمين

عندما تأتى ظاهرة المجتمع الاستهلاكى إلى بلد فقير، تأتى معها أنواع جديدة من السلع والخدمات ليست للأسف من اختراع البلد الفقير، بل تأتى مستوردة، إنها سلع وخدمات ابتدعها مجتمع آخر أكثر ثراء، وسمح له تقدمه الاقتصادى والتكنولوجى بإحلال هذه السلع والخدمات محل سلع وخدمات قديمة، وعندما احتاج إلى تصريف الفائض منها قام بغزو مجتمعات أفقر، فأتت الينا ظاهرة المجتمع الاستهلاكي.

كثيرون (وأنا منهم) يعتبرون ظاهرة المجتمع الاستهلاكى ظاهرة مؤسفة فى حد ذاتها، سواء ظهرت فى مجتمع غنى أو مجتمع فقير، ولكنها فى المجتمعات الفقيرة تتخذ أبعادا تكاد أن تكون مأساوية، لأنها تتجاوز ميدان الاقتصاد وتصبح «ظاهرة ثقافية».

الذى أقصده بذلك، أن أى سلعة (كالكوكاكولا مثلا أو السيارة الخاصة)، وأى خدمة (مثل بث مسلسل تليفزيوني) تنطوى على تعبير عن ثقافة بعينها، هى الثقافة التى ابتدعتها، فى مرحلة معينة من مراحل تطورها، وبالتالى فهى تعكس أيضا نظرة معينة إلى الحياة، ونمطا من أنماط العلاقات الاجتماعية، بل وربما أيضا موقفا أخلاقيا معينا، والمجتمعات تختلف فيما بينها فى كل هذه الأشياء (فى نوع النظرة إلى الحياة، وفى نمط العلاقات الاجتماعية، وفى مواقفها الأخلاقية)، مما يجعلنا نتكلم عن «ثقافات مختلفة»، ومن ثم فإن قيام مجتمع باستيراد سلع وخدمات ابتدعها مجتمع آخر، قد ينطوى على «خطر» ثقافي، يزداد مع ازدياد حجم هذا الاستيراد، وحجم الترويج لهذه السلع الجديدة، ودرجة نجاحها فى إثارة الشغف بها والتطلع إليها، كما يزداد الخطر بالطبع كلما زادت درجة التعارض بين ثقافة «المصدر» وثقافة «المتلقى السلبي».

كثيرون منا يستهينون بهذا الخطر، بل وقد لا يعتبرونه خطرا على الإطلاق، فلا يرون أى بأس من انتشار الاستهلاك لأشياء ابتدعها الغير، إذ لا يرون فى هذه الأشياء إلا وسائل لإشباع حاجات إنسانية عامة، تصلح لى مثلما تصلح لك، فالكوكاكولا فى نظرهم ليست إلا وسيلة لإرواء الظمأ، والسيارة الخاصة ليست إلا وسيلة من وسال الانتقال من مكان لآخر، والمسلسل التليفزيونى مجرد وسيلة للتسلية، ولكن الحقيقة أن إرواء الظمأ له وسائل عديدة ليست الكوكاكولا إلا واحدة منها، وكذلك الانتقال من مكان لآخر، وكذلك التسلية، قد يأتى الرد على ذلك بالقول: «وما وجه الخطر فى ذلك؟ فلنفترض أن كل هذه السلع والخدمات ليست إلا وسائل لتأدية أغراض كان من الممكن أن يستخدم غير هذه الوسائل لتحقيقها، سواء ابتدعها نفس المجتمع أو مجتمع آخر وثقافة أخري، فما كل هذا الخوف من استخدام وسائل ابتدعها آخرون مادامت تؤدى الغرض منها بكفاءة؟ ما الخطر من استهلاك الكوكاكولا مادامت لذيذة الطعم، أو من استخدام السيارة الخاصة مادامت وسيلة سريعة ومريحة، أو المسلسل التليفزيونى مادام مشوقا وممتعا؟

فى الإجابة عن هذا التساؤل تقفز الى الذهن العبارة الشهيرة للكاتب الكندى مارشال ماكلوهان (M.Mcluhan) فى وصف وسائل الاتصال الحديثة، إذ قال إن «الوسيلة، أو الأداة هى نفسها الرسالة» (The medium is the messge) ويقصد بذلك التحذير من الظن بأن «الوسيلة» التى تستخدم لتحقيق هدف معين، هى أداة محايدة يمكن أن تستخدم لتحقيق هذا الهدف أو غيره، فالحقيقة أن نوع الوسيلة كثيرا ما يحدد الهدف الذى تصل إليه، أو أن طبيعة الوسيلة تحدد مضمون الرسالة التى توصلها.

إن طبيعة جهاز التليفزيون مثلا، تحدد طبيعة البرامج التى يبثها، وتحدد الرسالة التى تصل عن طريقها الى مستخدمى هذا الجهاز، كما أن الرسالة التى توصلها الكتب المطبوعة تختلف عن تلك التى كانت توصلها الكتب المخطوطة باليد، الخ، وقبل مثل هذا عن الكوكاكولا والسيارة الخاصة،.. الكوكاكولا لا تروى العطش فقط، بل تفعل أشياء أخرى بالمستهلك عن طريق مذاقها، وشكل زجاجتها، وما يستخدم من ايحاءات فى إعلاناتها..الخ، والسيارة الخاصة تفعل بصاحبها أشياء مختلفة غير ما يفعله القطار، فتغير مشاعره ونمط حياته، مثلما يؤدى الجلوس لمشاهدة مسلسل تليفزيونى إلى نمط جديد للعلاقة بين أفراد الأسرة..الخ.

إذا كان الأمر كذلك، فلابد من الاعتراف بأن الإمعان فى استيراد سلع وخدمات ابتدعها مجتمع آخر وثقافة أخرى لابد أن ينطوى على خطر، هل نستطيع أن ننكر مثلا أثر أفلام هوليوود على ثقافات العالم المختلفة، وما أدت إليه من إشاعة نظرة معينة للحياة؟ أما القول إنه لا ضرر من هذا أو ذاك مادامت هى الوسائل «الأكفأ» لإشباع حاجة من الحاجات الإنسانية، أو أنها هى الوسائل التى اختارها الناس فى مختلف أنحاء العالم بإرادتهم الحرة، فيرد عليه بالتساؤل الآتي: هل وصلنا حقا إلى اتفاق عام على تحديد معيار «الكفاءة» بأنه مدى السرعة التى تنجز بها الأعمال، أو درجة الجاذبية المعتمدة على استخدام الألوان أو الجنس فى الإثارة المؤقتة بصرف النظر عن الأثر الذى يحدثه العمل السينمائى أو الفنى فى المدى الطويل؟ أو التساؤل عما اذا كان قبول هذه السلع والخدمات قد تم حقا بإرادة حرة ووعى تام بالآثار الناتجة عنها؟

واذا صرفنا النظر عن أثر أى سلعة بعينها على ثقافة المجتمع، فما بالك بالآثار المترتبة على قدوم عدد كبير من السلع التى يجرى الترويج لها كلها باعتبار أن استهلاكها والتمتع بها هو معيار النجاح فى الحياة، والطريق الوحيد للسعادة؟

ثم إن السلع الجديدة يجرى جزء كبير من الترويج لها باستخدام لغة المجتمع الذى ابتدعها، بل وسرعان ما تصبح هذه اللغة هى اللغة الوحيدة المستخدمة فى الترويج لهذه السلع، حتى وإن كانت عبارات الدعاية غريبة فى مجتمعات أخرى وغير مفهومة أو مستساغة، بل قد تصبح هذه الغرابة وصعوبة الفهم جزءا من جاذبية السلع، إذ إن لهذه اللغة الأجنبية سحرا خاصا مستمدا مما ارتبطت به فى الأذهان من ثراء وسيطرة، لا عجب إذن أن يشيع نتيجة لذلك كسر قواعد لغتنا، والتساهل فى تعليمها، إذ يصبح هذا التساهل نفسه (بل الجهل بقواعد لغتنا) مظهرا من مظاهر التقدم والحداثة.

لا يجب إذن أن نتكلم عن ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، وكأنها ظاهرة واحدة عندنا وعندهم، إن ما يبدو فى مجتمعاتهم الثرية وكأنه ظاهرة اقتصادية فى الأساس، تصبح لدينا ظاهرة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وبينما تبدو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى عندهم مؤسفة لما تؤدى إليه من تبديد فى الموارد تبدو ظاهرة المجتمع الاستهلاكي، عندما انتقلت إلينا، لا أقل من كارثة.

 

*نقلا عن جريدة "الأهرام"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات