الشيخ محمد رفعت.. 70 عاما على رحيل "صوت رمضان"
شهرة الشيخ محمد رفعت بدأت حين تولى القراءة رسميا بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب، سنة 1918، وكان في سن الـ15، فبلغ شهرة كبيرة
تحل، السبت، ذكرى ميلاد ووفاة الشيخ محمد رفعت، أشهر قراء القرآن الكريم في العالم العربي والإسلامي، والذي ولد في 9 مايو/أيار 1882، وتوفي في مثل هذا اليوم أيضا عام 1950.
ورغم مرور 70 عاما على وفاته؛ لا يزال صوته جزءا من الطقوس الرمضانية التي تسبق رفع الأذان عند صلاة المغرب، إذ اتسم بتعدد طبقاته، واتساع مساحته، وقدرته على اختراق القلوب والاستقرار فيها.
منذ أن بدأ مسيرته مع التلاوة، وضعه المصريون في مرتبة لم يبلغها أحد من القراء بعد رحيله، وحين افتتح بث الإذاعة المصرية سنة 1934، تحول بعدها إلى عنوان وهوية، فقد كان صعوده وانتشار صوته جزءا من صعود مواهب وقامات ثقافية ارتبطت بثورة 1919، وكان جزءا من صعود شمل آخرين، منهم الشيخ سيد درويش، والنحات محمود مختار، والأدباء طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيي حقي.
ولأن ثورة 1919 أذابت الفوارق بين طوائف الشعب المختلفة في مصر، فقد استمع الأقباط إلى صوت "رفعت" بشغف وإعجاب شديدين.
ولم تخلُ سيرة الشيخ محمد رفعت من نزعات درامية؛ فقد ولد بدرب الأغوات بحي المغربلين بالقاهرة، لعائلة من عائلات الطبقة الوسطى، وكان والده ضابطا بقسم الجمالية.
وكعادة أبناء تلك السنوات، تلقى تعليما دينيا في أحد الكتاتيب، وبدأ حفظ القرآن الكريم في كُتّاب "بشتاك"، الملحق بمسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، تمهيدا لالتحاقه بالأزهر الشريف قبل ظهور الجامعة المصرية 1908.
وبعد 6 سنوات، رشحه شيخه لإحياء الليالي في الأماكن المجاورة القريبة، فدرس علم القراءات والتجويد لمدة عامين على الشيخ عبدالفتاح هنيدي، صاحب أعلى سند في وقته، ونال إجازته.
وحين توفي والده محمود رفعت، مأمور قسم شرطة الجمالية، وكان حينها بعمر الـ9، وجد الطفل اليتيم نفسه مسؤولا عن أسرته المؤلفة من والدته وخالته وأخته وأخيه "محرم"، وأصبح عائلها الوحيد.
وبعد أن كانت النية تتجه إلى إلحاقه للدراسة في الأزهر، بدأ وهو في الـ14 في إحياء بعض الليالي في القاهرة، بترتيل القرآن الكريم، وبعدها صار يدعى لترتيل القرآن في الأقاليم.
لكن شهرة "رفعت" بدأت حين تولى القراءة رسميا بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب، سنة 1918، وكان في سن الـ15، فبلغ شهرة كبيرة، وكان الالتفاف حول صوت الشيخ رفعت ملمحا من ملامح أيام ثورة 1919.
وكان "رفعت" وهو يقرأ يبكي تأثرا؛ حتى إنه انهار مرة وهو في الصلاة عندما كان يؤم المصلين، إذ كان يتلوا آية فيها موقف من مواقف عذاب الآخرة.
وبعد موت الزعيم سعد زغلول، حرص مصطفى النحاس باشا على الصلاة في المساجد التي كان الشيخ رفعت يقرأ القرآن فيها، ومع بدء بث الإذاعة المصرية الرسمية سنة 1934، كان صوت رفعت الصوت الأول الذي خرج منها، بعد أن تم الحصول على فتوى من شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد الأحمدي الظواهري عن جواز إذاعة القرآن الكريم، فافتتحها "رفعت" بالآية الأولى من سورة الفتح "إنا فتحنا لك فتحا مبينا".
وبعدها طلبت منه هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" العربية تسجيل القرآن الكريم بصوته، فرفض ظنا منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، فاستفتى الإمام المراغي، فشرح له الأمر، وأخبره بأنه غير حرام، فسجل لهم سورة مريم.
وعندما تولى الملك فاروق عرش مصر، نصحه الشيخ المراغي الذي كان محبا لصوت الشيخ رفعت بالتواجد في الليالي التي كان الشيخ يقوم فيها بقراءة القرآن الكريم، وكان من تقاليد تلك الأيام أن تنقل الإذاعة احتفالا يوميا في قصر عابدين، لقراءة القرآن الكريم خلال ليالي رمضان.
وعلى الرغم من الشهرة التي حققها؛ فإنه استمر في قراءة القرآن في مسجد الأمير مصطفى فاضل حتى اعتزاله، من باب الوفاء للمسجد الذي شهد ميلاده في عالم القراءة منذ الصغر.
ويرى دارسو مسيرته أن جانبا رئيسيا من تميزه يرجع إلى نشأته في حي شعبي، حيث أنصت إلى الأصوات المحيطة، وتمكن من إيجاد شفرة للتواصل مع آذان من أحاطوا به، ليصير جزءا من الأصوات اليومية في مصر.
ومن جانب آخر، فقد أغنى "رفعت" معرفته بفنون التلاوة، إلى جانب دراسة المقامات الموسيقية، فضلا عن التوسع في دراسة الموسيقى الغربية، لدرجة أنه ترك ثروة كاملة من أسطوانات الموسيقى الكلاسيكية، ضمت أعمالا لموتسارت، وبرامز، وبيتهوفن، وفرانز ليست، وباخ.
وتحول الشيخ محمد رفعت إلى أسطورة، وارتبطت به عدة روايات شعبية، يصعب التأكد تماما من صحتها، لكنها ظلت لصيقة بسيرته.
وهناك قصة عن ضابط كندي كان ضمن قوات الحلفاء في مصر، طلب من مدير الإذاعة أن يسهل له مقابلة الشيخ رفعت، وحين التقاه فوجئ بأنه أعمى وبكى، وقال لمن معه: "الآن عرفت سر الألم العظيم الذي يفيض من صوته العبقري".
ويروي الكاتب محمود السعدني، في كتابه "ألحان السماء"، جملة من القصص والحكايات، منها أن جمهور الإذاعة هدد بمقاطعتها عندما اختلفت مع الشيخ رفعت على الأجر، وهدد المواطنون بعدم دفع ضريبة الاستماع إلى الراديو طالما أن الإذاعة لن تحمل لهم صوته.
وطوال حياته، تصرف محمد رفعت مع صوته كهبة من الله، وعلى الرغم من أنه كان صاحب الأجر الأعلى بين مقرئي عصره، وكان أجره الأعلى حتى مقارنة بمطربي عصره محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، فقد كان يحصل وحده على 100 جنيه مصري مقابل إحياء ليلة العزاء وليالي رمضان، إلا أنه كان يقرأ في مساجد حي السيدة زينب يوميا لعموم الناس الذين صانوا تراثه في التلاوة مجانا.
فحين مات الشيخ رفعت، اعتمدت الإذاعة على فيض من التسجيلات كان لدى رواد الليالي التي كان يحييها في مساجد مصر، وعلى رأسهم زكريا باشا مهران، أحد أعيان مركز القوصية في أسيوط، وعضو مجلس الشيوخ المصري الذي يعود له الفضل في حفظ تراث الشيخ رفعت الذي نسمعه حاليا.
وكان الشيخ رفعت قد أصيب بمرض نادر في حنجرته، أدى لاحتباس صوته إلى الأبد من عام 1943، ولأجل العلاج، أنفق كل ما يملك، لكنه لم يمد يده إلى أحد، حتى إنه اعتذر عن قبول المبلغ الذي جمع في اكتتاب (بحدود 50 ألف جنيه) لعلاجه، رغم أنه لم يكن يملك تكاليف العلاج، وكان جوابه كلمته المشهورة "إن قارئ القرآن لا يُهان".
وحين مات، أقسم جزار كان من بين جمهوره بأن يدفن الشيخ في مقبرة أعدها خصيصا لتحمل جثمان الشيخ الراحل الذي قال مفتي سوريا عند موته إن هذا الرجل جدد الإسلام كما لم يفعل أحد.
aXA6IDMuMTM1LjIwOS4xMDcg جزيرة ام اند امز