التحليلات

حماس وإسرائيل.. حسابات داخلية وإقليمية

الأحد 2019.3.31 07:43 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 383قراءة
  • 0 تعليق
قصف إسرائيلي لقطاع غزة

قصف سابق لقوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة - أرشيفية

في الوقت الذي كانت مصر تبذل فيه جهودا مكثفة من أجل الترتيب لمصالحة وطنية فلسطينية، وتعمل على تعزيز الموقف الوطني الفلسطيني استعدادا لمواجهة ما سيطرح من مشروع ما يسمى بصفقة القرن، بادرت حركة حماس بإطلاق صاروخ على شمال تل أبيب، أسفر عن إصابة 7 إسرائيليين بجروح ما بين بسيطة ومتوسطة، وعلى الفور بدأت إسرائيل في الرد العنيف وقطع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو زيارته للولايات المتحدة وعاد إلى بلاده لإدارة عملية الرد العسكري على صاروخ حركة حماس. حشدت إسرائيل قواتها واستدعت الاحتياط وشنت غارات عنيفة على مواقع في القطاع حتى تصل رسالة للرأي العام الإسرائيلي مؤداها؛ أن الحكومة قادرة على حماية الدولة ومواطنيها، لا سيما قبيل أقل من أسبوعين على الانتخابات البرلمانية المبكرة التي ستجرى في الـ9 من أبريل 2019.

استنجدت حركة حماس مرة أخرى بالجهود المصرية لإقناع إسرائيل بوقف اعتداءاتها على القطاع، أو ما هو معروف بالتهدئة مقابل التهدئة ولا شيء آخر، وهو ما تحقق بالفعل.

السؤال هنا.. لماذا أقدمت حركة حماس على إطلاق صاروخ على العمق الإسرائيلي في هذا التوقيت؟

يبدو واضحا أن حركة حماس كانت تعاني من احتجاجات شعبية في القطاع، حيث خرجت مسيرات تندد بالأوضاع المأساوية في القطاع وتدهور الأوضاع الاقتصادية نتيجة انخفاض التدفقات المالية للحركة، سواء من إيران التي تتعرض لعقوبات أمريكية شديدة الوطأة، أو من تركيا التي بدأت تعاني أوضاعا اقتصادية متردية، أو من قطر نتيجة التضييق على حرية حركة رجالها هناك، إضافة إلى تضييق السلطة الوطنية الخناق على الحركة وأخيرا نجاح مصر في إغلاق وتدمير مئات الأنفاق التي كانت تستخدم في التهريب وتجمع الحركة من ورائها مئات الملايين من الدولارات، عانت الحركة من الاحتجاجات وواجهتها بالعنف الشديد والقمع، وهو ما جلب لها النقد الدولي من ناحية وهدد باتساع حركة الاحتجاج من ناحية ثانية، على نحو يمكن أن تهدد سيطرة الحركة، هنا لجأت حماس إلى اللعبة التقليدية وهي لعبة الهروب إلى الأمام أو البحث عن عامل خارجي يستخدم في التغطية على الاحتجاجات الخارجية، ومثلما كان يستخدم الصراع مع إسرائيل للهروب من أية استحقاقات شعبية وسياسية عبر مقولة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فقد عملت حماس على جر إسرائيل لشن عدوان على القطاع يتخذ كمبرر للتوحد الداخلي في مواجهة عدوان خارجي، فتتوقف الاحتجاجات من ناحية وتبدو الحركة في صورة الحركة المقاومة التي تعمل على تحرير أرض فلسطين. وهي لعبة وظفتها حماس أكثر من مرة، وكان الثمن في كل حالة قتلى وجرحى من أبناء القطاع، تدمير بنى ومؤسسات ومراكز خدمية، إضافة إلى بعض مواقع الحركة ومقارها.

لم تتوقف حماس أمام الأوضاع الإسرائيلية الداخلية التي تسبق الانتخابات البرلمانية، والتي تعد قضية أمن الدولة، والمواطن محور رئيسي فيها، ومن ثم توقع أن الرد سيكون عنيفا وقاسيا، وقذفت بصاروخ جلب المزيد من الدمار والخراب، الحسابات الحمساوية لا تتجاوز التصدي للاحتجاجات الداخلية والدخول في اللعبة الإقليمية مجددا، وهو ما فشلت فيه فشلا ذريعا، حيث عادت للبحث عن جهود وساطة مصرية تقنع الحكومة الإسرائيلية بوقف غاراتها على القطاع، ومع التهدئة الجديدة يستمر الواقع الفلسطيني المؤلم ما بين احتلال وانتهاكات إسرائيلية متواصلة والتهام المزيد من الأراضي، ويستمر الانقسام الجغرافي ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بين السلطة الوطنية وحركة حماس، وهو الوضع النموذجي لإسرائيل الذي سيمكنها من تحقيق خطتها الشاملة في المنطقة بالسيطرة على غالبية أرض فلسطين التاريخية، فالمعروف أن القرار رقم ١٨١، (قرار التقسيم) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ١٩٤٧، أعطى نحو ٥٤% من مساحة فلسطين لليهود، و45% من المساحة للعرب، كانت تتضمن يافا وحيفا على ساحل المتوسط، مع وضع المدينة المقدسة تحت الإدارة الدولية، قبل اليهود بالقرار ورفضه العرب، فاندلعت حرب ١٩٤٨ التي تمكنت فيها القوات الصهيونية من احتلال نصف المساحة المخصصة للدولة العربية، ولم يتبق سوى نحو ٢٢% من مساحة فلسطين، ممثلة في الضفة الغربية (٥٥٠٠ كم) وقطاع غزة (٣٦٠ كم). وهي المساحة التي احتلتها إسرائيل في عدوان يونيو 1967، فما جرى ويجري من مفاوضات منذ انطلاقها يدور حول استعادة مساحة من الأرضي التي احتلت في عدوان يونيو 1967، وهي الأراضي التي التهم الاستيطان قرابة نصفها، واعترفت الإدارة الأمريكية بالقدس الموحدة كعاصمة لإسرائيل وسارت خلفها دول أوروبية ولاتينية وأفريقية وآسيوية، ومن ثم فإن الموضوع بالنسبة لحركة حماس لم يكن تحرير أرض فلسطين، بل إقامة ولاية إسلامية على أي جزء من الأرض وفق تصور حماس، باعتبارها الفرع الفلسطيني لتنظيم الإخوان، للتدرج في البناء من الفرد المسلم إلى الأسرة إلى المجتمع ثم الدولة الإسلامية، ومن ثم فهي تستخدم كافة الشعارات والمبررات للإبقاء على سيطرتها على القطاع، ولذلك عندما تعرضت الحركة لضغوط بعد سقوط حكم التنظيم في مصر عام 2013 لم تتردد في إصدار وثيقة جديدة، بدلا من تلك التي أعلنتها بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في ديسمبر ١٩٨٧، الوثيقة الجديدة تضمنت 3 تراجعات جوهرية عن مبادئ الوثيقة الأولى التي سميت "ميثاق حركة حماس"، تتعلق هذه التراجعات أولا بفصل العلاقة التنظيمية مع تنظيم الإخوان. وثانيا بإعلان القبول بدولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو ١٩٦٧. وأخيرا أن الصراع مع إسرائيل هو صراع سياسي وليس صراعا دينيا، أي أن الصراع مع إسرائيل هو صراع حدود وليس صراع وجود، وهي الأسس التي تبنتها منظمة التحرير الفلسطينية قبل 3 عقود، وكادت أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق مسيرة أوسلو، والاتفاق الموقع في سبتمبر ١٩٩٣، لولا رفض حماس وقيامها بعمليات انتحارية في قلب المدن الإسرائيلية، الأمر الذي أدى إلى وقف العملية بالكامل وعودة إسرائيل إلى احتلال ما سبق.


هذه التحولات جاءت كنهج براجماتي من الحركة للدخول على خط التسوية السياسية، فما يحمله ميثاق الحركة الصادر عام ١٩٨٧ يجعلها خارج سياق العملية السياسية، وما ورد في مادتها الأولى من صلة تنظيمية بجماعة الإخوان يوقعها في أزمة عدم التواصل مع مصر التي صنفت الجماعة كتنظيم إرهابي، ومن ثم فما أقدمت عليه الحركة من تحولات في الوثيقة الأخيرة يمثل قفزة سريعة لركوب قطار التسوية السياسية من موقع البديل لمنظمة التحرير، وبعد إضاعة عشرات الفرص الحقيقية لتسوية سياسية عادلة ومنصفة، بدءا من مؤتمر مينا هاوس عام ١٩٧٧، وصولا إلى كامب ديفيد الثانية عام ٢٠٠٠، مرورا باتفاق أوسلو عام ١٩٩٣ وما تقوم به الحركة اليوم لا يعدو أن يكون محاولات ومناورات من أجل الإبقاء على حال الانقسام لضمان استمرار السيطرة على القطاع، ومواجهة الاحتجاجات التي يمكن أن تندلع ضدها في القطاع، والمناورة بورقة المقاومة من حين إلى آخر، فهي تتولى عمليا حراسة الحدود الإسرائيلية والحفاظ على التهدئة، وتخرج عليها كلما اقتضت الضرورة ذلك، في سياق الهدف الأسمى للحركة وهو استمرار السيطرة على القطاع، ولا وجود لقضية فلسطين أرض وشعب في هذه الرؤية التي تراها حماس قضية الأجيال القادمة.

الدكتور عماد جاد، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بمؤسسة الأهرام المصرية.

تعليقات