ثقافة

عائشة موماد لـ"العين الإخبارية": أنا غارقة في كلمات مولانا الرومي

الإثنين 2018.8.13 05:14 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 411قراءة
  • 0 تعليق
عائشة موماد وغلاف الديوان

عائشة موماد وغلاف الديوان

عالم مولانا جلال الدين الرومي هو الكنف الذي اختارت المترجمة المغربية عائشة موماد أن تستظل به منذ سنوات، وهي تغوص في أعماق تجربته الروحية، وتُسخِر مشروعها في الترجمة لنقل جواهره الشعرية إلى اللغة العربية.

يصدر لموماد قريبا، عن مركز المحروسة بالتعاون مع مركز طواسين بالقاهرة، ديوان "قميص يوسف"، ليضاف إلى رصيدها الثري العامر بترجمة دراسات سابقة عن الرومي كتلك التي نُشرت في كتاب بالاشتراك مع الباحث المصري خالد محمد عبده تحت عنوان "الرومي بين الشرق والغرب"، كما شاركت في مؤلف جماعي عن التصوف المولوي بترجمة صدرت في مركز "المسبار" في الإمارات، إضافة إلى ترجمات أخرى، وساهمت في نقل أكثر من ٣٠٠ رباعية صدرت في بيروت قبل عامين ولقيت قبولا واسعا.

"العين الإخبارية" تحدثت إلى المترجمة المغربية عائشة موماد في حوار حول حالة الشغف الموصول بجلال الدين الرومي ومشروعه الإنساني والصوفي الذي تماهت فيه تجربتها، وأسباب الاهتمام العالمي الواسع بمشروعه الفكري والأدبي حتى يومنا هذا من وجهة نظرها.

فإلى نص الحوار

- كيف كانت بداية "قميص يوسف"..هل كان شغفا شخصيا برباعيات الرومي أم كان ذلك في إطار سياق آخر؟

-يمثل قميص يوسف كما هو معروف في تراثنا الديني منحة إلهية؟ فبعد أن يفقد الإنسان الأمل في العثور على ما يسعد روحه ولا يجد فيمن حوله معينا على تلبية ما ينشده قلبه، يرسل الله إليه ما يدهشه ويعيده للحياة من جديد.. حدث هذا مع يعقوب الذي يجسّد صورة الإنسان المكلوم لفقده ولده المحبوب.

ردّ الله البصر لمولانا بعد لقائه بشمس الدين التبريزي فأدرك نور الرحمة والسعة وتلقى النفخة الباعثة للحياة وصار إنسانا حقًّا، كما قاده الألم إلى أن يولد من جديد كما فعلت مريم العذراء حين جاءها المخاض.أردت المساهمة عبر هذا الديوان في نشر تعاليم مولانا الإنسانية الراقية. لقد أخفى مولانا اسم شمس في العديد من أشعاره كما أخفت زليخة اسم يوسف في كل قول وفعل. ألم يترك رحيله مولانا في كرب عميق؟

"قميصُ يوسف" هو استمرار لنقلي لجملة من أشعار مولانا الصوفية إلى اللغة العربية. قمت بترجمة عدة دراسات سابقة عنه نُشرت في كتاب بالاشتراك مع الباحث المصري خالد محمد عبده تحت عنوان "الرومي بين الشرق والغرب" وقد صدرت طبعتان له عن دار المحروسة بالقاهرة. شاركت في مؤلف جماعي عن التصوف المولوي بترجمة صدرت في مركز "المسبار" في الإمارات، إضافة إلى ترجمات أخرى نشرت في مواقع عديدة، ثم صحّ العزم مني لنقل مختارات من رباعيات مولانا (أكثر من ٣٠٠ رباعية) صدرت في بيروت قبل عامين ولقيت قبولا من كثير من القراء، فسجّل جزء منها صوتيا وكُتبت لها مراجعات عديدة.

- كيف كانت تجربة ترجمة رباعيات مولانا جلال الرومي بين متعة وصعوبة؟

الترجمة كتابة تذكّرنا بالحلاج وقصته على الصليب حينما نزلت من جسده قطرة دم ورسمت على الأرض اسم الجلالة "الله". فالترجمة بالنسبة لي حبّ ولقاء مع عالم أحبّ العيش فيه، وهو عالم مولانا.أتردد دوما في ترجمة نصوص أخرى وإن تعلقت بالتصوف، كما أرفض ترجمة نصوص لا أستشعر من خلالها بالإخلاص فيما أفعله. الترجمة بالنسبة لي ليست نقل كلمات من لغة إلى أخرى، بل هي ترجمة لروح مولانا جلال الدين الرومي لكي تجد طريقها إلى قلوب المحبين. وأنا غارقة ومستغرقة في كلمات مولانا، يجري القلم بما يريد الله وتتيسر لي السبل في إتمام ما أريد، مهما حلّ بي من تعب، فالغوص في التجربة الروحية لمولانا أمر صعب جدا، والعلاقة الوطيدة بين الصور الدنيوية والحقائق الروحية الغامضة هي التي تجعل أشعار مولانا فريدة من نوعها. لكن المحبة سرّ عظيم وثمرتها أعظم في حياة الإنسان.


-برأيك لماذا نفذت أشعار ورباعيات الرومي إلى ذائقة العالم أجمع؟

انتشرت أشعار مولانا اليوم لتعطّش العالم إلى نموذج إنساني راق يخاطب أرواحهم وقلوبهم ولا يحمل عليهم فيزيدهم تعبا على تعبهم، كما يحدث من أغلب الدعاة.. خاطب مولانا الإنسان وناشده أن يأتي إليه " لا يهمّ من أنت تعال" لا يهمه جنسه أو دينه. وفي تعاليمه ينصح الإنسان "كن أنت. اظهر كما تبدو"، لا ترتد ثوبا غير ثوبك، عليك أن تؤمن بنفسك حتى يتحقق ميلادك ، اترك العقل جانبا واعتنق العشق.

-هل تعتقدين أن التداول الواسع لأقوال الرومي عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في إلحاق أخطاء بها؟

لا يضرّ بأشعار مولانا انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل على العكس قد يكون سببا في بداية التعرّف على شخصه وإنتاجه الشعري الصوفي.. تلبي هذه المواقع حاجة بعض الجماهير الذين لا يستطيعون قراءة المطولات.. فيقرأون كلمة ربما ساعدتهم فيما بعد على مطالعة أعماله النثرية (فيه ما فيه-المجالس السبعة-الرسائل) وأعماله الشعرية (المثنوي-ديوان شمس تبريز والرباعيات)

 لكنني كمحبة وعاشقة لهذا التراث الصوفي أرغب في المزيد دوما وأطمح ألا نتوقف عند قراءة عبارة جميلة دون محاولة البحث عن السياق الذي جاءت فيه والتأكد من صحة نسبتها إلى مولانا، فالببغاء يردد كلمات لا يفهمها، ولن يصنع منه ذلك هدهدا أو عنقاء.

-على الرغم من إخلاصك للترجمة.. لكن لا بد أن هناك رباعيات هي الأقرب لك شخصيا كمتذوقة للأدب.. هل تذكرين منها شيئا؟

أحب كل أعمال مولانا وأحاول في كل لحظة اكتشاف عالم من عوالمه اللامحدودة، ولن يكفي عمر واحد لذلك! ما دمتِ قد أحببت أن أذكر نموذجا من الرباعيات أقتبس لك هذه القطع من ترجمتي في ديوان "قميص يوسف" الذي سيصدر بعد أسابيع:

أنت نور لقلبي وسلام لروحي،

أنت منبع القلق والسلام.

تسائلني: "ما علامات الحبيب؟"

علامات حبيبنا، أن نكون دون علامة.

فررتَ إلى الصحراء بأجنحة القلب

وضاعت تلك الصحراء في سعة قلبك

ما هذه الصحراء؟ إن السماوات السبع العالية،

ككف اليد أمام محيط قلبك.

صدقني، العشق فعل نبيل،

إن كان عيبا، فلطبيعة النفس السيئة.

تسمي شهوتك عشقا،

هناك فرق شاسع بين الشهوة والعشق.

جسدنا الأرضي انعكاس للأفلاك

خِفتنا تثير غيرة الملائكة،

تغير الملائكة من صفائنا أحيانا،

وأحيانا، من وقاحتنا تفر الشياطين.

تأخرنا بين الخلائق لبعض الوقت،

من إخلاصهم، لم نحظ برائحة أو لون.

الأفضل أن نستترَ عن أعين الخلائق،

كالماء في النار، وكالنار في الحَجَر


-ما هو جديدك المقبل؟

أعكف حاليا على إتمام ترجمة كتاب عن المغامرة الروحية لمولانا، للمستشرقة الألمانية أنّا ماري شيمل، وهو كتاب تضع فيه ثمرة حياة كاملة من البحث وتقدمه بأسلوب بسيط وواضح يخاطب كل أنواع القراء. تقدم لنا شيمل من خلال هذا الكتاب المفاهيم الأساسية التي يرتكز عليها التصوف المولوي وتجعلنا نقوم برحلة خارج الزمان والمكان علنا نلتقي بمولانا جلال الدين الرومي خلف سطر من السطور.


تعليقات