أوروبا والهند.. شراكة تخطي النفوذ الأمريكي
يتجه الاتحاد الأوروبي والهند نحو إبرام سلسلة من الاتفاقيات الاستراتيجية.
وتشمل اتفاقية تجارة حرة وشراكات دفاعية وأمنية تُعدّ من بين الأهم في مسار العلاقات بين الجانبين.
ووفقا لتحليل نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، فإن الخطوة الجيوسياسية البارزة تعكس تحوّلات عميقة في توازنات القوى الدولية، وذلك في ظل تقلّبات غير مسبوقة في السياسة الأمريكية دفعت بروكسل ونيودلهي إلى البحث عن مسارات بديلة للتعاون وخلق تكتلات تمتدّ خارج نطاق النفوذ التقليدي للولايات المتحدة.
كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا قد وصلا إلى نيودلهي للمشاركة في احتفالات يوم الجمهورية، حيث من المتوقع أن تتوّج الزيارات المتبادلة الطويلة التي بدأتها بروكسل في العام الماضي بتوقيع اتفاقية تجارة حرة طال انتظارها. وقد وُصفت هذه الاتفاقية في الأوساط الأوروبية بأنها “أم الاتفاقيات”، لما تمثّله من فرصة لإعادة رسم خريطة العلاقات الاقتصادية العالمية، إذ تربط بين تكتلين يشتركان في نحو رُبع الناتج الاقتصادي العالمي وسوق يزيد عدد سكانه على ملياري نسمة.
وكانت المفاوضات التي استمرت لسنوات عديدة قد شهدت تنازلات صعبة، خاصة في ظل تحفظات حول دمج القطاعات الحسّاسة مثل الزراعة بسبب المخاوف الخاصة بالقطاع الزراعي في الدول الأوروبية. ورغم أن الاتفاق التجاري قد لا يشمل كل النقاط المثيرة للجدل، إلا أنه سيشمل قطاعات صناعية وخدماتية حيوية تهدف إلى تنشيط التبادل التجاري بين الكتلتين بشكل غير مسبوق.
شراكات أوسع
وإلى جانب الأبعاد الاقتصادية، تتضمّن الاتفاقيات شراكات دفاعية وأمنية أوسع نطاقاً، بما في ذلك التعاون في مجالات مثل الأمن البحري ومكافحة الإرهاب والأمن السيبراني. وتُعد هذه التطورات بمثابة إشارة على إرادة الطرفين في توسيع شراكتهما إلى ما هو أبعد من التجارة، لتشمل قضايا تتعلق بالاستقرار الإقليمي والدولي.
ويرى محللون أن هذه التحركات تأتي في سياق تراجع واضح في دور الولايات المتحدة كقوة مركزية وحيدة في العلاقات الدولية. فقد أدّت السياسات الأمريكية الأخيرة، بما في ذلك فرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات هندية وقرارات تجارية مثيرة للجدل، إلى إثارة مخاوف في نيودلهي حول الاعتماد المطلق على السوق الأمريكية أو التحالفات التقليدية. وفي المقابل، يبدو أن الهند والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى تطوير نموذج تعاون متعدد الأقطاب يُضعف من هيمنة أي قوة منفردة على النظام العالمي.
لكن هذا التقارب لا يخلو من تحديات. فبينما يتطلّع الاتحاد نحو تعزيز نفوذه الاقتصادي والسياسي، لا تزال العلاقات الوثيقة بين الهند وروسيا والعلاقات التجارية مع الصين تمثّل نقاط توتّر جيوسياسي يمكن أن تُعرقل بعض محاور الشراكة. فقد حافظت نيودلهي على علاقات قوية مع موسكو، سواء في مجال المعدات العسكرية أو في الدبلوماسية الدولية، وهو ما قد يضع بروكسل في موقف يتطلّب موازنة دقيقة بين المصالح الاستراتيجية والقيم السياسية التي يعلنها الاتحاد.
ووفقا للصحيفة، يشكّل التقارب بين الاتحاد الأوروبي والهند نقطة محورية في تطور النظام الدولي متعدد الأقطاب، مع إمكانية إعادة تشكيل ديناميكيات التجارة والأمن على الصعيد العالمي في العقود المقبلة.