دبلوماسية الذكاء الاصطناعي.. رهان الصين على الجنوب العالمي
طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤية بديلة لتطوير الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، في خطوة يرى محللون أن كثيرًا من الدول النامية ستجد صعوبة في رفضها.
ولا يقتصر العرض الصيني على إتاحة تقنيات الذكاء الاصطناعي عبر نماذج مفتوحة المصدر، بل يشمل أيضًا تدريب آلاف الأشخاص من الدول النامية على استخدامها، من خلال إنشاء مراكز دولية لـ«التعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي».
وقال شي، خلال كلمته في المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي الذي استضافته شنغهاي الأسبوع الماضي: "هذه خطوة كبيرة من الصين للاستجابة لنداء الجنوب العالمي".
وخارج قاعات المؤتمر، استعرضت روبوتات بشرية طورتها شركات صينية – تعرف باسم الذكاء الاصطناعي المتجسد – أحدث القدرات الصينية في مجال التصنيع المتقدم، في رسالة تؤكد أن بكين تجمع بين الريادة في البرمجيات والتكنولوجيا الصناعية.
منظمة عالمية جديدة للذكاء الاصطناعي
وتُعد المبادرة، التي توجها شي بإعلان تأسيس المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي، والتي تضم 29 دولة، واحدة من أكثر الخطوات الصينية طموحًا لبناء نظام عالمي بديل للنظام الذي تقوده الولايات المتحدة والغرب.
وتسعى بكين بشكل متزايد إلى ملء فراغ القيادة الدولية الذي خلفه الانسحاب الأمريكي من عدد من المنظمات الدولية، عبر مبادرات تمتد من مشروع الحزام والطريق إلى برامج تشمل الأمن والتنمية والحوكمة.
ويرى محللون أن كثيرًا من هذه المبادرات تبدأ بعناوين عامة، إلا أن الصين أثبتت قدرتها على تحويلها تدريجيًا إلى مؤسسات واتفاقيات وآليات تعاون تقودها بنفسها، بما يعزز ارتباط الدول الأخرى برؤيتها الاستراتيجية.
سباق على قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي
ويعتقد خبراء أن نجاح الصين في قيادة انتشار الذكاء الاصطناعي عالميًا ووضع معاييره سيمنحها السيطرة على إحدى أكثر التقنيات تأثيرًا منذ ظهور الإنترنت، ويتيح لها ترسيخ قيمها في مواجهة النظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وقال أريندراجيت باسو، الباحث بجامعة لايدن، إن مبادرة شي تمثل محاولة صينية لتحقيق ما لم تتمكن بكين من إنجازه عند نشأة الإنترنت قبل عقدين، عندما تشكل الفضاء الرقمي وفق القيم الليبرالية الأمريكية.
وأضاف أن المبادرة تتماشى مع مساعي الصين لإعادة صياغة القواعد الأساسية التي تحكم فهم العالم للتكنولوجيا.
من «طريق الحرير الرقمي» إلى «لحظة ديب سيك»
ويعود سعي الصين لانتزاع الريادة الجيوسياسية في الذكاء الاصطناعي من الولايات المتحدة إلى سنوات سبقت خطاب شي الأخير، إذ استند إلى مبادرات سابقة أبرزها طريق الحرير الرقمي الذي أُطلق عام 2015.
وقدم المشروع مساعدات للدول لبناء شبكات الاتصالات، وقدرات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، وأنظمة الدفع الإلكتروني، وتقنيات المراقبة، والمدن الذكية، اعتمادًا على الخبرات والمعدات الصينية.
وشاركت نحو ثلث الدول المنضوية تحت مبادرة الحزام والطريق، والبالغ عددها نحو 150 دولة، في مشروع طريق الحرير الرقمي.

لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت في يناير/كانون الثاني 2025 مع ما عُرف بـ«لحظة ديب سيك»، عندما نجحت شركة صينية ناشئة في تحدي الهيمنة الأمريكية على نماذج اللغة الكبيرة.
ومنذ ذلك الحين، أصبح الذكاء الاصطناعي محورًا رئيسيًا في الدبلوماسية الصينية، إذ أظهرت بيانات وزارة الخارجية الصينية ارتفاعًا ملحوظًا في عدد المرات التي طُرح فيها الملف خلال لقاءات كبار المسؤولين الصينيين مع نظرائهم الأجانب.
بناء الاعتماد على التكنولوجيا الصينية
ولتعزيز اعتماد الدول على تقنيات الذكاء الاصطناعي الصينية، أطلقت بكين العام الماضي مركز التعاون في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بين الصين ودول رابطة آسيان.
ويركز المشروع على بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وتوفير منصات مفتوحة المصدر، وتأهيل الكفاءات البشرية.
وفي شنغهاي، تعهد شي بإقامة مراكز مماثلة بالتعاون مع مؤسسات في أفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.
وتضم المنظمة العالمية الجديدة للتعاون في الذكاء الاصطناعي دولًا من مجموعة بريكس مثل البرازيل وروسيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا، باستثناء الهند، مع خطط للتوسع وضم أعضاء جدد.
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة تحالفًا منافسًا يعرف باسم Pax Silica، ويضم 24 دولة، لكنه يركز بدرجة أكبر على تأمين سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية.
«الخطة البديلة» للدول النامية
وقال جورج تشين، الشريك في مجموعة آسيا، إن المنظمة الجديدة قد تتحول إلى منصة فعالة لتصدير التكنولوجيا الصينية والنماذج مفتوحة المصدر إلى دول الجنوب العالمي، مشيرًا إلى أن بكين تعتزم مضاعفة عدد أعضائها تقريبًا.
وأضاف: «ما تريده الصين هو أن تعتمد غالبية دول العالم على التكنولوجيا الصينية بدلًا من نظيرتها الأمريكية».
وأوضح أن النماذج الأمريكية المغلقة، مثل تلك التي تطورها OpenAI وAnthropic، باهظة التكلفة بالنسبة لمعظم مستخدمي الدول النامية، التي تفتقر أصلًا إلى القدرات اللازمة لتطوير أنظمتها الخاصة.
وقال: «لقد قدمت الصين فجأة خطة بديلة ممتازة للدول النامية، وربما تكون أفضل من الخطة الأصلية».
ورغم أن كلا الجانبين يطور نماذج مفتوحة المصدر، فإن الدعم الرسمي الصيني لهذه النماذج، إلى جانب التعهد بمساعدة الدول على بناء قدراتها، قد يؤدي إلى انتشار أوسع للتقنيات الصينية.
تحديات أمام الطموح الصيني
ورغم الترويج الصيني للنماذج مفتوحة المصدر، يحذر محللون من عدم وجود ضمانات بأن تستمر الشركات الصينية في إتاحتها إذا أصبحت مهيمنة على سوق الذكاء الاصطناعي.
فقد بدأت شركات مثل علي بابا وبايت دانس بالفعل في تحويل بعض نماذجها الرائدة إلى أنظمة مغلقة مع تصاعد الضغوط التجارية لتحقيق الأرباح.
كما ناقشت وزارة التجارة الصينية مع كبرى شركات الذكاء الاصطناعي فرض قيود على نقل البيانات المستخدمة في تدريب النماذج إلى الخارج، والحد من إتاحة الأوزان البرمجية للنماذج للمستخدمين الأجانب.
ولا تزال الشركات الصينية تواجه تحديًا آخر يتمثل في هيمنة الشركات الأمريكية، وعلى رأسها إنفيديا، على الرقائق الإلكترونية ومكونات العتاد اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، يرى خبراء أن العرض الصيني سيظل جذابًا للدول النامية، التي تفتقر إلى الموارد والخبرات الكافية لمواكبة سباق الذكاء الاصطناعي.
ويقول كيفن شو: «الدول النامية ستسأل نفسها: إذا كانت الصين، بكل مواردها، تواجه هذا التحدي، فكيف يمكننا نحن مواكبته؟» ثم يجيب: «الصين تقول لها: تعالوا إلينا، سندربكم باستخدام برمجياتنا مفتوحة المصدر، وهذه هي الطريقة التي سنمضي بها».