الاقتصاد الصيني.. نهاية نموذج وبداية معادلة جديدة
أظهرت أحدث البيانات الاقتصادية أن الاقتصاد الصيني دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما سجل نمواً أقل من المتوقع.
يأتي هذا بالتزامن مع تراجع الفائض التجاري واتباع سياسة مالية تبدو أقرب إلى التقشف منها إلى التحفيز، في تطورات تعكس الضغوط التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وبينما لا تزال الصين تحتفظ بمكانتها كقوة صناعية وتكنولوجية عالمية، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن اقتصادها يدخل مرحلة جديدة تتسم بنمو أكثر اعتدالًا، وفائض تجاري أقل اتساعًا، وضغوط مالية وديموغرافية ستؤثر في مسار السياسات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
وأعلنت الصين أن اقتصادها نما بنسبة 4.3% على أساس سنوي خلال الربع الثاني من عام 2026، وهو أضعف معدل نمو منذ عام 2022، عندما كانت البلاد لا تزال تفرض إجراءات الإغلاق الواسعة لمواجهة جائحة كوفيد-19، كما جاء أقل من توقعات الأسواق.
تباطؤ النمو
ووفقا لتحليل نشرته مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، تكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن بيانات الناتج المحلي الإجمالي الصينية غالبًا ما توصف بأنها مستقرة بصورة لافتة.
ففي عام 2025، حددت الحكومة هدفًا للنمو عند 5%، وجاءت النتيجة الرسمية مطابقة لهذا الهدف تقريبًا.
أما في عام 2026 فقد حددت بكين نطاقًا مستهدفًا يتراوح بين 4.5% و5%، إلا أن القراءة الفعلية البالغة 4.3% جاءت خارج هذا النطاق، وهو ما أثار اهتمام المحللين.
ورغم تباطؤ النمو، فإن الاقتصاد الصيني واصل الاستفادة من قوة التجارة الخارجية، التي ساعدت في الحد من تراجع النشاط الاقتصادي. فقد تجاوز الفائض التجاري للصين خلال العام الماضي 1.2 تريليون دولار، بينما قفزت صادرات السلع في يونيو/حزيران بأكثر من 25% على أساس سنوي، مقومة بالدولار.
وأثارت هذه الزيادة مخاوف لدى عدد من الشركاء التجاريين، وخاصة الاتحاد الأوروبي، من تعرض الأسواق العالمية لما يشبه "الصدمة الصينية" الثانية، في إشارة إلى التأثير الكبير الذي أحدثه انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001.
لكن النظرة المتعمقة للبيانات تكشف صورة مختلفة. فبحسب محللين في مؤسسة Absolute Strategy Research، فإن الفائض التجاري الصيني ربما بلغ ذروته بالفعل، إذ ارتفعت الواردات خلال يونيو/حزيران بنسبة 36%، وهي وتيرة أسرع من نمو الصادرات، كما انخفض الفائض التجاري خلال النصف الأول من عام 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي عند احتسابه بالدولار.
ولا يُعزى هذا التحول بالكامل إلى الحرب الإيرانية، رغم أنها رفعت أسعار النفط العالمية. فقد خففت الصين من تأثير ارتفاع الأسعار عبر تقليص وارداتها النفطية بشكل كبير، إلا أن العامل الأكثر تأثيرًا كان الارتفاع الحاد في أسعار أشباه الموصلات.
واردات الرقائق
وتعد الصين في الوقت نفسه من أكبر مستوردي ومصدري الرقائق الإلكترونية عالميًا، وقد ارتفعت قيمة وارداتها من الدوائر المتكاملة خلال مايو/أيار بنحو 70% مقارنة بالعام السابق، وكانت الزيادة ناتجة بالكامل تقريبًا عن ارتفاع الأسعار وليس عن زيادة الكميات.
وفي ظل اعتماد الاقتصاد الصيني بدرجة كبيرة على الصادرات، كان كثير من الاقتصاديين يتوقعون أن تلجأ الحكومة إلى حزم تحفيز مالي واسعة لتعزيز الاستهلاك المحلي ودعم الطلب الداخلي، إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى اتجاه معاكس. فبدلاً من زيادة الإنفاق التحفيزي، تبدو الحكومة وكأنها تتجه إلى تقشف مالي فعلي، بحسب توصيف اقتصاديين في بنك سيتي غروب.
وخلال الأشهر الأخيرة ارتفعت الإيرادات الضريبية بصورة ملحوظة، إذ زادت حصيلة ضريبة القيمة المضافة بنسبة 6.2% خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى مايو/أيار مقارنة بالعام السابق، بينما ارتفعت إيرادات ضريبة الدخل الشخصي بنسبة 12.2%.
كما قفزت حصيلة رسوم الدمغة بنسبة 89%، مدفوعة بالنشاط القوي في أسواق الأسهم الصينية.
ويرجع جزء من هذه الزيادة إلى عودة التضخم، الذي رفع القيمة الاسمية للمعاملات الخاضعة للضرائب، بينما يعود جزء آخر إلى تشديد إجراءات التحصيل الضريبي، حيث كثفت السلطات الرقابة، وأرسلت رسائل إلكترونية للمكلفين تطالبهم بالإفصاح عن جميع دخولهم وأصولهم الخارجية بأثر رجعي يعود إلى عام 2022.
وبذلك، ورغم زيادة الإنفاق الحكومي، فإن الدولة تجمع أيضًا إيرادات أكبر، وهو ما أدى إلى تضييق عجز الموازنة المجمعة للحكومة المركزية والحكومات المحلية، في خطوة تتعارض مع السياسات التقليدية للتحفيز الاقتصادي التي تعتمد عادة على توسيع الإنفاق وزيادة العجز لدعم النمو.
تغيرات في هيكل الإنفاق العام
وفي الوقت نفسه، كشفت البيانات عن تغيرات غير متوقعة في هيكل الإنفاق العام. فالرئيس الصيني شي جين بينغ يواصل التأكيد على أهمية دعم الصناعات التكنولوجية المتقدمة، ويشجع الشركات والحكومات المحلية على تطوير ما يسميه "قوى الإنتاج الجديدة"، كما سبق أن حذر من التوسع في برامج الرفاه الاجتماعي، معتبرًا أن الإعانات المفرطة قد تقلل الحافز على العمل.
لكن البيانات المالية تشير إلى أنه ظلت حصة الإنفاق على التكنولوجيا والتعليم مستقرة إلى حد كبير، بينما تراجعت نسبة الإنفاق الموجه إلى مشروعات البنية التحتية، في مقابل زيادة النفقات لبرامج الضمانات الاجتماعية. ويشير ذلك إلى أن الحكومة أصبحت مطالبة بتخصيص موارد أكبر لدعم كبار السن والعاطلين والفئات الأقل دخلًا، حتى مع استمرارها في الاستثمار في الصناعات المتقدمة.
ورغم أن هذه البيانات لا تشمل جميع أدوات السياسة المالية، مثل إنفاق الشركات الحكومية أو الصناديق الحكومية الخاصة، فإنها تعكس حقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن الضغوط الناتجة عن تباطؤ النمو وشيخوخة السكان تفرض أولويات جديدة على المالية العامة الصينية.
وتبرز هذه التطورات التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني خلال المرحلة المقبلة، حيث تتزامن قوة القطاع التكنولوجي مع تباطؤ النشاط الاقتصادي، بينما تفرض التحولات الديموغرافية أعباء متزايدة على الإنفاق العام.