أوروبا وفك الارتباط بالصين.. تكلفة باهظة ومخاطر محتملة
يتصاعد الجدل داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تشديد الإجراءات التجارية لحماية الصناعات الأوروبية، وسط تحذيرات من أن أي تصعيد غير محسوب قد يقود إلى حرب تجارية واسعة النطاق تكون أوروبا الطرف الأكثر تعرضًا لخسائرها.
ونقل تحليل نشره موقع "إي يو أوبزرفر - euobserver" عن خبراء اقتصاديين تحذيراتهم من أن تبني بروكسل نهجًا تصادميًا مع بكين قد يدفع الصين إلى الرد بإجراءات انتقامية مؤثرة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يعتمد بدرجة كبيرة على سلاسل التوريد والمواد الخام والتقنيات القادمة من الصين، وهو ما يمنح بكين أدوات ضغط يصعب تجاهلها.
وخلال قمة المجلس الأوروبي التي عقدت في يونيو/حزيران، أعرب قادة الاتحاد عن قلقهم إزاء الاختلالات الاقتصادية العالمية، والدعم الحكومي الصيني للصناعات الاستراتيجية، وهيمنة الشركات الصينية على قطاعات التكنولوجيا الخضراء، إلا أنهم تجنبوا تبني سياسة مواجهة مباشرة مع بكين، إدراكًا لحجم المخاطر الاقتصادية التي قد تترتب على ذلك.
اعتماد بنيوي راسخ
وتشير التقديرات إلى أن اعتماد أوروبا على الصين لم يعد مسألة تجارية عابرة، بل أصبح حقيقة هيكلية ترسخت على مدى سنوات.
ووفقًا لتقديرات الذراع الاستشاري لمؤسسة إيرنست آند يونغ، EY-Parthenon، فإن استبدال البنية التحتية وسلاسل الإمداد والقدرات الصناعية والبحثية والبرمجية التي تعتمد عليها منطقة اليورو حاليًا من الصين قد يكلف نحو 9.1 تريليون دولار بحلول عام 2050، وهو ما يتطلب استثمارات سنوية تعادل ما يقرب من ضعفي الميزانية السنوية الحالية للاتحاد الأوروبي.
ويرى محللون أن هذه الأرقام تعكس مدى صعوبة فك الارتباط الاقتصادي مع الصين، حتى في ظل تنامي المخاوف الأوروبية من الاعتماد المفرط عليها.
كما تؤكد التجارب الأخيرة أن بكين تمتلك القدرة والإرادة للرد على القيود التجارية. فقد أظهرت ذلك بوضوح عقب الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة في عام 2025، عندما ردت الصين بفرض قيود على صادرات المعادن الأرضية النادرة، وهو ما أدى إلى اضطراب واسع في سلاسل الإمداد الصناعية العالمية، وأثر بصورة مباشرة في العديد من الشركات الأوروبية، قبل أن تضطر واشنطن إلى تهدئة التصعيد.
ويرى الخبراء أن السيناريو نفسه يمكن أن يتكرر مع أوروبا، بل ربما يكون تأثيره أكبر، لأن الاقتصاد الأوروبي يعتمد على الواردات الصينية في عدد كبير من الصناعات الحيوية.
ورغم امتلاك أوروبا بعض أوراق القوة، مثل التكنولوجيا المتقدمة التي تنتجها شركة ASML الهولندية في مجال معدات تصنيع أشباه الموصلات، فإن تأثير أي قيود أوروبية على الصين سيحتاج إلى وقت طويل حتى يظهر، بينما تستطيع القيود الصينية على صادرات المواد الخام والمكونات الصناعية أن تؤثر في المصانع الأوروبية خلال فترة قصيرة.
دفاع أم هجوم؟
ولهذا السبب، يحذر محللون من أن استراتيجية التصعيد قد تتحول سريعًا إلى حرب تجارية متبادلة تجد أوروبا نفسها فيها في موقف أكثر هشاشة من الصين.
ويؤكد الخبراء أن التساؤل الأساسي لا ينبغي اختزاله في "كيفية إلحاق الضرر بالصين"، وإنما يجب توسيع صيغته إلى "كيفية حماية المصالح الاقتصادية الأوروبية على المدى الطويل".
وفي هذا السياق، يطرح عدد من الاقتصاديين ضرورة التمييز بين الإجراءات "الدفاعية" والإجراءات "الهجومية". فالإجراءات الدفاعية تتمثل في السياسات التي تستهدف تقليل الاعتماد المستقبلي على الصين، ودعم الصناعات الأوروبية التي لا تزال تتمتع بقدرة تنافسية، خاصة في القطاعات التي لم تحقق فيها الشركات الصينية هيمنة كاملة بعد.
أما الإجراءات الهجومية، مثل فرض رسوم جمركية واسعة على الألواح الشمسية أو السيارات الكهربائية الصينية، فقد أصبحت أكثر حساسية، لأن بكين تنظر إليها باعتبارها محاولة مباشرة لاستهداف صناعاتها، وهو ما يدفعها إلى اتخاذ إجراءات انتقامية قوية.
وقد بدأت بالفعل مؤشرات هذا الرد في الظهور، إذ تشير تقارير إلى أن الصين طلبت من شركات صناعة السيارات تعليق بعض الاستثمارات في الدول الأوروبية التي أيدت فرض رسوم على السيارات الكهربائية الصينية. وأدى ذلك إلى خسارة بعض الدول، مثل إيطاليا، فرصًا للحصول على استثمارات صينية جديدة في قطاع السيارات الكهربائية، بعدما كانت تتنافس على استقطابها.
ورغم ذلك، يرى الخبراء أن الفرصة لا تزال قائمة أمام أوروبا لتعزيز مواقعها في قطاعات أخرى مرتبطة بالتحول الأخضر. فالشركات الأوروبية ما زالت تمتلك مكانة قوية في تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي لإنتاج الهيدروجين، ومعدات طاقة الرياح، والمضخات الحرارية، وبطاريات الجيل الجديد. لذلك؛ يدعو محللون إلى تبني سياسة استباقية تقوم على دعم جانبي العرض والطلب معًا، بهدف تمكين الشركات الأوروبية من الوصول إلى الحجم الإنتاجي الذي يسمح لها بمنافسة الشركات الصينية قبل أن تصبح الأخيرة صاحبة الهيمنة المطلقة على هذه الصناعات.
كما أن تشجيع الطلب الأوروبي على منتجات مثل المضخات الحرارية والتقنيات النظيفة يمنح الشركات المحلية ثقة أكبر في استمرار السوق، ويشجعها على زيادة الاستثمارات والإنتاج.
ويتميز هذا النهج بأنه يمكن تقديمه باعتباره سياسة لتعزيز المرونة الاقتصادية، وتسريع إزالة الكربون، وتقليل الاعتماد على الخارج، وليس باعتباره محاولة لإقصاء الشركات الصينية من السوق الأوروبية.
صعوبات سياسية
لكن تنفيذ سياسة طويلة الأجل بهذا المستوى يمثل تحديًا أكبر بالنسبة للاتحاد الأوروبي، الذي يضم 27 دولة تختلف أولوياتها السياسية والاقتصادية، وتتغير فيه التحالفات الحكومية بصورة متكررة، الأمر الذي يجعل الحفاظ على استقرار السياسات الصناعية أكثر صعوبة مقارنة بالنظام الصيني.
وفي ظل هذه التحديات، يرى الخبراء أن نجاح أوروبا في الحفاظ على قدرتها الصناعية لن يتحقق عبر التصعيد التجاري، وإنما من خلال تبني سياسات دفاعية طويلة الأجل تعزز القدرة التنافسية، وتقلل الاعتماد على الخارج، وتمنح الشركات الأوروبية بيئة مستقرة للاستثمار، بما يسمح للاتحاد الأوروبي بتقوية اقتصاده وتجنب الدخول في مواجهة تجارية مع الصين قد تكون كلفتها أعلى من مكاسبها.