الصيانة تسبق التصنيع.. عقود محركات الطائرات منجم أرباح لصناعة الطيران
قال تقرير لمجلة «الإيكونوميست» البريطانية إن صيانة محركات الطائرات أصبحت مصدراً رئيسياً لتحقيق الأرباح.
وشهد معرض فارنبره الدولي للطيران، الذي يُقام كل عامين ويُعد أحد أبرز تجمعات صناعة الطيران والفضاء في العالم، إعلاناً لافتاً تمثل في توقيع شركة إنديجو (IndiGo)، إحدى أسرع شركات الطيران الهندية نمواً، اتفاقية لشراء أكثر من 1000 محرك نفاث من طراز Leap من شركة CFM International، وهي مشروع مشترك بين شركة GE Aerospace الأمريكية وشركة Safran الفرنسية.
وستستخدم هذه المحركات لتشغيل أسطول الطائرات الذي طلبته إنديجو من شركة إيرباص. لكن الصفقة لم تقتصر على بيع المحركات فقط، إذ حصلت CFM على مكسب استراتيجي إضافي يتمثل في المساهمة في إنشاء منشأة متخصصة لأعمال الصيانة والإصلاح والعمرة (Maintenance, Repair and Overhaul - MRO) لصالح إنديجو، بهدف الحفاظ على تشغيل هذه المحركات بكفاءة طوال عمرها التشغيلي. ورغم أن عقود الصيانة غالباً ما تحظى باهتمام أقل مقارنة بصفقات بيع الطائرات والمحركات، فإنها تعد من أكثر الأنشطة ربحية في صناعة الطيران العالمية.
نمو فائق
ووفقاً لشركة آرثر دي ليتل الاستشارية، يشهد قطاع الصيانة حالياً ما وصفته بـ "دورة فائقة للنمو" (MRO Supercycle)، مدفوعة بالتوسع المستمر في أساطيل الطيران التجاري حول العالم.
وتتوقع شركة بوينغ أن ينمو عدد طائرات الركاب العاملة عالمياً بأكثر من 3% سنوياً ليصل إلى ما يزيد على 50 ألف طائرة بحلول عام 2045.
ولا يقتصر الأمر على زيادة عدد الطائرات، بل إن الطائرات الحالية ستعمل بوتيرة تشغيل أكثر كثافة، وستظل في الخدمة لفترات أطول، نتيجة تراكم طلبيات التسليم لدى شركتي إيرباص وبوينغ، والتي تجاوزت 16 ألف طائرة، الأمر الذي يدفع شركات الطيران إلى إطالة العمر التشغيلي لأساطيلها الحالية، وبالتالي زيادة الطلب على أعمال الصيانة وقطع الغيار.
وتشير تقديرات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) إلى أن شركات الطيران ستنقل أكثر من 5 مليارات مسافر خلال عام 2026، وهو ما سيولد إيرادات تبلغ نحو 1.2 تريليون دولار.
ومن المتوقع أن تستحوذ عقود الصيانة والإصلاح والعمرة على نحو 140 مليار دولار من هذه الإيرادات، بحسب تقديرات شركة Oliver Wyman الاستشارية، مع توقع ارتفاع هذا الرقم إلى أكثر من 190 مليار دولار بحلول نهاية العقد الحالي، أي ما يقارب ضعف مستويات الإنفاق المسجلة في عام 2019.
وتشمل أعمال الصيانة ما يُعرف بزيارات "الورش" (Shop Visits)، حيث تُنقل الطائرات إلى حظائر متخصصة لإجراء إصلاحات كبيرة، مثل إصلاح معدات الهبوط، بالإضافة إلى عمليات الفحص الشامل (D-Check)، وهي من أكثر عمليات الصيانة تعقيداً، إذ تُفكك الطائرة تقريباً بالكامل ثم يعاد تجميعها، وتُجرى عادة كل 6 إلى 10 سنوات.
ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من إيرادات قطاع الصيانة لا يأتي من هيكل الطائرة، بل من المحركات، التي قد تمثل وحدها نحو 50% من تكلفة الطائرة الجديدة، ما يجعل الحفاظ على كفاءتها أولوية قصوى لشركات الطيران. ويُنفذ نحو 80% من أعمال صيانة المحركات بواسطة الشركات المصنعة نفسها، بينما تتقاسم شركات الطيران وشركات الصيانة المستقلة النسبة المتبقية.
عملاقان في التخصص
وتسيطر على سوق المحركات العالمي مجموعتان رئيسيتان؛ ففي محركات الطائرات ذات المدى القصير تهيمن شركتا CFM وPratt & Whitney، بينما تتصدر شركتا GE Aerospace وRolls-Royce سوق المحركات الأكبر المستخدمة في الطائرات بعيدة المدى.
وتدير هذه الشركات شبكات واسعة من مراكز الصيانة حول العالم، في إطار نموذج أعمال يعتمد بدرجة أقل على أرباح بيع المحركات، وبدرجة أكبر على ما يعرف بـ "خدمات ما بعد البيع" (Aftermarket)، والتي تشمل الصيانة وبيع قطع الغيار طوال فترة قد تمتد إلى 20 عاماً من عمر تشغيل المحرك.
وتعكس نتائج الأعمال أهمية هذا النشاط، إذ حقق قطاع المحركات في GE Aerospace إيرادات بلغت 33 مليار دولار خلال العام الماضي، جاء ثلاثة أرباعها من خدمات الصيانة، فيما تمتلك الشركة، بما في ذلك مشروعها المشترك CFM، أكثر من 20 مركزاً للصيانة والإصلاح والعمرة حول العالم.
ولا تقتصر الاستفادة من هذا النشاط على مصنعي المحركات، بل تحقق شركات الطيران نفسها أرباحاً كبيرة من تقديم خدمات الصيانة للغير.
وتعد Lufthansa Technik، التابعة لمجموعة لوفتهانزا، أكبر شركة صيانة مملوكة لشركة طيران في العالم، حيث تقدم خدماتها للشركة الأم، لكنها تحقق 75% من إيراداتها من شركات طيران أخرى.
وخلال العام الماضي، ساهمت الوحدة بنحو 20% من إيرادات مجموعة لوفتهانزا، كما شكلت 30% من أرباحها التشغيلية.
وفي الولايات المتحدة، تسعى وحدة Delta TechOps التابعة لشركة دلتا إيرلاينز، أكبر شركة طيران أمريكية من حيث القيمة السوقية، إلى منافسة لوفتهانزا في هذا المجال، بينما تخطط شركة رايان إير، أكبر شركة طيران في أوروبا، لإجراء صيانة محركاتها داخلياً بالكامل بحلول عام 2029.
مجال يتوسع
ومن جانبها، تواصل شركات تصنيع المحركات الاستثمار بكثافة لتوسيع انتشار مراكز الصيانة وتقليص فترات انتظار العملاء. وفي هذا السياق، افتتحت Rolls-Royce أول مركز صيانة لها في الصين خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي.
كما تعمل الشركات على تحسين كفاءة عملياتها باستخدام التكنولوجيا الحديثة. فعلى سبيل المثال، تمتلك GE Aerospace فرقاً فنية جاهزة للسفر إلى أي مطار حول العالم في أي وقت لمعالجة الأعطال البسيطة بينما لا يزال المحرك مثبتاً على جناح الطائرة، فيما يعرف بعمليات "On Wing"، وهو ما يقلل زمن توقف الطائرات عن العمل.
وتستخدم الشركة أيضاً الذكاء الاصطناعي لتقييم الأعطال بسرعة، وتحليل الكميات الضخمة من البيانات التي تولدها المحركات أثناء التشغيل، بهدف التنبؤ بالأعطال قبل وقوعها، وتحسين جداول الصيانة، وإطالة فترة تشغيل الطائرات بأعلى مستويات الكفاءة.
ورغم التوقعات الإيجابية، يواجه القطاع تحدياً رئيسياً يتمثل في نقص العمالة الماهرة، إذ استغل كثير من الفنيين فترة التراجع الحاد في حركة الطيران خلال جائحة كورونا للتقاعد، ما خلق فجوة متزايدة في سوق العمل. وتقدر بوينغ أن صناعة الطيران ستحتاج إلى أكثر من 700 ألف فني صيانة جديد بحلول عام 2045 لتلبية الطلب المتوقع.
ومع ذلك، يرى خبراء الصناعة أن آفاق قطاع الصيانة والإصلاح والعمرة ستظل قوية خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار نمو أساطيل الطيران العالمية، وارتفاع معدلات تشغيل الطائرات، واعتماد شركات الطيران بصورة متزايدة على برامج الصيانة طويلة الأجل، وهو ما يجعل هذا القطاع أحد أكثر الأنشطة ربحية واستدامة في صناعة الطيران العالمية.