حقل عكاز.. رهان العراق لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز المستورد
يقع حقل عكاز على بعد نحو 30 كيلومتراً جنوب مدينة القائم بمحافظة الأنبار، بالقرب من الحدود العراقية السورية.
ويُعد "عكاز" أكبر حقل للغاز الحر المكتشف في العراق، باحتياطيات مؤكدة تتراوح بين 5.3 و5.6 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.
وتعود عمليات الاستكشاف الأولى إلى ثمانينيات القرن الماضي، فيما حُفر أول بئر استكشافي عام 1992، غير أن الحروب والظروف الأمنية وعدم استقرار البيئة الاستثمارية حالت دون تطويره بالشكل المطلوب.
وفي عام 2012، أُحيل مشروع تطوير الحقل إلى شركة كوغاز الكورية الجنوبية، إلا أن تصاعد النشاط لتنظيم داعش في محافظة الأنبار بعد عام 2014 أجبر الشركة على الانسحاب، ليتوقف المشروع لسنوات طويلة، قبل أن تعيد وزارة النفط إطلاقه بالجهد الوطني ابتداءً من عام 2023.
وفي مارس/آذار 2023 بدأ الحقل إنتاجه الفعلي من أربعة آبار، عبر محطة معالجة بطاقة تصميمية تبلغ 50 مليون قدم مكعب قياسي يومياً، بينما وصل الإنتاج الفعلي إلى نحو 38 مليون قدم مكعب يومياً، وهي كمية خُصصت لتغذية محطة عكاز الغازية.
وشهد شهر يوليو/تموز الجاري انطلاق مرحلة جديدة من أعمال التطوير، تتضمن حفر ستة آبار جديدة وإنشاء المنشآت السطحية الخاصة بمعالجة الغاز، بالتعاون مع شركة "شلمبرجير" الأمريكية، ضمن خطة حكومية لرفع الإنتاج تدريجياً.
ورغم أن هذه الكميات لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياطيات، فإن الخبراء يرون أن القيمة الحقيقية للحقل تكمن في إمكاناته المستقبلية، وليس في إنتاجه الحالي، وهو ما يجعله أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الحكومة لتقليل الاعتماد على الغاز المستورد، ودعم قطاع الكهرباء، وتحقيق قيمة اقتصادية مضافة للاقتصاد الوطني.
وتأتي عودة العمل في الحقل في وقت يواجه فيه العراق تحديات متزايدة في تأمين الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، إذ ما تزال البلاد تعتمد على استيراد جزء من احتياجاتها من الغاز، رغم امتلاكها احتياطيات كبيرة غير مستثمرة بالشكل الكافي.
مشروع استراتيجي يتجاوز إنتاج الغاز
وترى عضو لجنة الطاقة في مجلس النواب وفاء حسين سلمان أن أهمية حقل عكاز لا تكمن في حجم احتياطياته فحسب، بل في موقعه ضمن استراتيجية العراق الرامية إلى تحقيق أمن الطاقة عبر الاعتماد على الموارد المحلية بدلاً من الاستيراد.
وقالت في تصريح لـ"العين الإخبارية"، إن تطوير حقول عكاز والمنصورية وأرطاوي يمثل أولوية للحكومة، ضمن خطة تهدف إلى زيادة إنتاج الغاز وجذب الشركات العالمية للاستثمار في هذا القطاع، مشيرة إلى أن تنمية موارد الغاز أصبحت ركناً أساسياً في سياسة الطاقة العراقية خلال السنوات المقبلة.
ويذهب مدير هيئة تسويق النفط الخام والغاز في شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، حيدر محمد حسن، إلى أن استثمار الغاز الوطني لا يقتصر على توفير الوقود لمحطات الكهرباء، بل يمثل فرصة لتعزيز الاقتصاد العراقي من خلال تقليل الإنفاق على الاستيراد، وتوفير المواد الأولية للصناعات البتروكيمياوية والأسمدة، فضلاً عن تنويع مصادر الدخل وتحقيق قيمة مضافة للثروات الطبيعية.
ويقول في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إن نجاح مشروع عكاز سيمنح العراق مرونة أكبر في إدارة ملف الطاقة، ويحد من تأثره بالأزمات الإقليمية أو اضطرابات إمدادات الغاز، وهو ما يجعله أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في قطاع الطاقة.
ويرى الخبير والمحلل الاقتصادي جليل مهدي اللامي أن حقل عكاز يمثل أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في قطاع الغاز العراقي، كونه ثاني أكبر حقول الغاز الحر في البلاد بعد حقل المنصورية، باحتياطيات مؤكدة تبلغ نحو 5.6 تريليون قدم مكعب قياسي، أي ما يقارب 10% من إجمالي احتياطيات العراق من الغاز الحر.
ويؤكد في حديثه لـ"العين الإخبارية" أن أهمية الحقل لا ترتبط بحجم احتياطياته فحسب، بل بطبيعة الغاز المنتج منه، إذ يعتمد على الغاز الحر وليس الغاز المصاحب، ما يجعله مصدراً مستقلاً وأكثر استقراراً لتزويد محطات الكهرباء، ويمنح العراق مرونة أكبر في إدارة أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
إلى أي مدى يسهم في معالجة أزمة الكهرباء؟
ويمثل توفير الوقود لمحطات الكهرباء الهدف الأكثر إلحاحاً من تطوير الحقل، إذ بدأت أعمال الإنتاج الفعلي في عام 2023 بنحو 38 مليون قدم مكعب قياسي يومياً عبر محطة معالجة بطاقة تصميمية تبلغ 50 مليون قدم مكعب يومياً.
وتقول عضو لجنة الطاقة النيابية: "تستهدف المرحلة الحالية، التي تنفذها شركة شلمبرجير الأمريكية، رفع الإنتاج إلى 100 مليون قدم مكعب يومياً من خلال حفر ست آبار جديدة، فيما تتطلع الخطط الحكومية إلى الوصول مستقبلاً إلى نحو 400 مليون قدم مكعب يومياً".
وأضافت: "بحسب التقديرات الفنية، فإن هذه الكمية يمكن أن توفر وقوداً لمحطات كهربائية بطاقة تتراوح بين 2500 و3000 ميغاواط في محطات الدورة المركبة، وهو ما يمثل نحو 5 إلى 6% من إجمالي الطلب الوطني على الكهرباء خلال أشهر الذروة".
ويشير حيدر محمد حسن إلى أن المرحلة الأولى من المشروع تمثل بداية لتطوير شامل للحقل، موضحاً أن زيادة الإنتاج ستسهم في دعم محطات الكهرباء وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.
ويوضح أن الحقل يمتلك ميزة اقتصادية مهمة مقارنة بالغاز المصاحب، إذ إن الغاز المنتج منه هو غاز حر لا يرتبط بإنتاج النفط، كما أن كلفة معالجته أقل، ما يجعله خياراً أكثر كفاءة واستدامة لتغذية محطات الكهرباء.
لكن الخبير والمحلل الاقتصادي جليل مهدي اللامي يقول إن الخطة الحكومية تستهدف رفع إنتاج الحقل إلى 100 مليون قدم مكعب يومياً في المرحلة الأولى، ثم إلى 400 مليون قدم مكعب يومياً عند بلوغ الطاقة القصوى، وهي كميات تكفي لتغذية محطات كهرباء رئيسية، من بينها محطة الأنبار للدورة المركبة ومحطة عكاز الغازية.
ويضيف أن العراق يستورد حالياً أكثر من 1.4 مليار قدم مكعب من الغاز يومياً، وبالتالي فإن وصول الحقل إلى طاقته المخططة يمكن أن يغطي نحو ثلث هذه الكميات، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتحسين استقرار المنظومة الكهربائية.
لكن الخبير في شؤون الطاقة عمار زكي يرى أن حقل عكاز، رغم أهميته، لا يمثل حلاً كاملاً لأزمة الكهرباء، موضحاً أن العراق لا يزال يحتاج إلى كميات إضافية من الغاز لتغطية احتياجات محطات التوليد، وأن تحقيق الاكتفاء الذاتي يتطلب تطوير حقول الغاز الحر الأخرى، إلى جانب استكمال مشاريع استثمار الغاز المصاحب الذي يشكل النسبة الأكبر من الإنتاج المحلي.
وأضاف أن العراق ينتج حالياً نحو 3 مليارات قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز، إلا أن جزءاً من هذه الكميات لا يزال غير مستثمر بالكامل، فيما يستمر الاعتماد على استيراد الغاز لتشغيل عدد من المحطات الكهربائية.
مكاسب اقتصادية وتنموية
وإلى جانب دعم منظومة الكهرباء، يتوقع أن يسهم مشروع عكاز في تحقيق مكاسب اقتصادية واسعة، سواء على مستوى العراق أو محافظة الأنبار.
بحسب اللامي، فإن المشروع يوفر مورداً استراتيجياً يدعم تنويع الاقتصاد العراقي، ويؤمن الوقود للصناعات البتروكيمياوية والأسمدة والإسمنت، فضلاً عن خلق مئات فرص العمل المباشرة وآلاف الفرص غير المباشرة في مجالات الحفر والنقل والمقاولات والخدمات. كما يسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي في محافظة الأنبار وجذب الاستثمارات إليها.
ويؤكد زكي أن استئناف العمل في الحقل يمثل خطوة استراتيجية لدعم التنمية في محافظة الأنبار والعراق بشكل عام، لافتاً إلى أن المشروع يتضمن حفر آبار جديدة وإنشاء منشآت لمعالجة الغاز وربطه بمحطة الأنبار للدورة المركبة، بما يساهم في تحسين إنتاج الكهرباء وتوفير مئات فرص العمل للمهندسين والفنيين والعمال.
كما يرى حيدر محمد حسن أن تطوير الحقل سيشجع على إقامة صناعات تعتمد على الغاز الطبيعي، مثل الأسمدة والبتروكيمياويات، الأمر الذي يعزز مساهمة القطاع الصناعي في الاقتصاد الوطني ويزيد من القيمة المضافة للغاز العراقي بدلاً من الاكتفاء باستخدامه وقوداً لمحطات الكهرباء.
من جانبها، تشير عضو لجنة الطاقة في مجلس النواب إلى أن حقل عكاز يتميز بإنتاجه الغاز الحر، وهو أقل كلفة في المعالجة وأكثر كفاءة في الاستخدام مقارنة بالغاز المصاحب، ما يمنحه ميزة اقتصادية مهمة، سواء للدولة أو للمستهلك، فضلاً عن إمكانية تطوير اكتشافات جديدة في المناطق المجاورة مستقبلاً.
تحديات تعيق استثمار الحقل
ورغم التفاؤل الذي يرافق استئناف العمل في الحقل، فإن تطويره لا يزال يواجه مجموعة من التحديات، في مقدمتها استكمال البنية التحتية اللازمة لمعالجة الغاز ونقله، وتأمين الاستثمارات المطلوبة، وضمان استقرار بيئة العمل.
يشير اللامي إلى أن المشروع واجه تأخيراً لأكثر من عقد بسبب الظروف الأمنية، بعد توقفه إثر سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من محافظة الأنبار وانسحاب الشركة المنفذة. ويضيف أن التحديات الحالية تتمثل في الحاجة إلى استثمارات كبيرة لإنشاء محطات المعالجة وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، إلى جانب تسريع الإجراءات الحكومية وضمان استقرار البيئة الأمنية.
فيما تقول النائبة وفاء حسين سلمان إن المشروع واجه خلال السنوات الماضية صعوبات أمنية ولوجستية أثرت في سرعة التنفيذ، كما أن وصول الكوادر الأجنبية والمعدات إلى موقع الحقل ظل يمثل تحدياً في بعض المراحل.
وترى أن تطوير عكاز ينبغي أن يترافق مع تسريع مشاريع الغاز الأخرى، لأن الاعتماد على مشروع واحد لن يكون كافياً لسد احتياجات العراق المتزايدة من الطاقة.
أما الخبير عمار زكي، فيؤكد أن الطريق نحو تحقيق أمن الطاقة لا يقتصر على تطوير حقول الغاز الحر، بل يتطلب أيضاً إنهاء ظاهرة حرق الغاز المصاحب التي كلفت العراق خسائر مالية كبيرة لعقود، مشيراً إلى أن المشاريع الجاري تنفيذها ستؤدي إلى استثمار معظم الغاز المحروق خلال السنوات المقبلة، بما يقلل الحاجة إلى الاستيراد ويعزز الاعتماد على الموارد الوطنية.
ما المطلوب لضمان نجاح المشروع؟
يؤكد الخبير والمحلل الاقتصادي جليل مهدي اللامي أن نجاح المشروع يتطلب توفير التمويل اللازم، والالتزام بالجداول الزمنية، واستكمال البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا الحديثة، وتدريب الكوادر العراقية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومة والشركات المستثمرة، بما يضمن الوصول إلى الطاقة الإنتاجية المستهدفة وتحويل حقل عكاز إلى أحد أعمدة استراتيجية العراق لتحقيق أمن الطاقة وإنهاء الاعتماد على استيراد الغاز.
فيما يرى زكي أن نجاح مشروع عكاز يتطلب استمرار الدعم الحكومي، وتسريع تنفيذ مراحل التطوير، واستكمال منشآت المعالجة وخطوط نقل الغاز، إضافة إلى تعزيز الشراكة مع الشركات العالمية المتخصصة لضمان نقل التكنولوجيا الحديثة ورفع كفاءة الكوادر العراقية.
ويشدد على أهمية التنسيق بين وزارتي النفط والكهرباء، لضمان جاهزية محطات التوليد لاستيعاب الزيادة المرتقبة في إنتاج الغاز، وربط مشاريع تطوير الحقول بخطط التوسع في إنتاج الكهرباء.
ويخلص الخبير في مجال الطاقة إلى أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز لن يتحقق عبر مشروع واحد، وإنما من خلال استراتيجية متكاملة تشمل تطوير حقول عكاز والمنصورية وأرطاوي، واستثمار الغاز المصاحب، وتقليل معدلات الحرق، بما يضمن توفير وقود مستدام لمحطات الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية.
ويمثل حقل عكاز اليوم أكثر من مجرد مشروع لإنتاج الغاز؛ فهو اختبار لقدرة العراق على استثمار موارده الطبيعية وتحويلها إلى ركيزة لأمن الطاقة والتنمية الاقتصادية. وبينما تشير المؤشرات إلى أن تطوير الحقل سيحقق مكاسب مهمة في دعم الكهرباء وتقليل الاستيراد وتنشيط الاقتصاد المحلي، فإن الخبراء يجمعون على أن نجاحه سيعتمد على استكمال جميع مراحل التطوير، وتسريع الاستثمار في بقية حقول الغاز، وتحويل الثروة الغازية إلى عنصر أساسي في بناء اقتصاد أكثر استدامة وأقل اعتماداً على الخارج.

