سياسة

بعد القومية اليهودية.. الأقصى في خطر

الثلاثاء 2018.8.7 11:02 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 276قراءة
  • 0 تعليق
إميل أمين

ما الذي تسعى إليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأراضي المقدسة وبخاصة في مدينة القدس؟

لم تكتف حكومة نتنياهو بالقرار الأمريكي الخاص باعتبار القدس بشرقها وغربها عاصمة موحدة للدولة الإسرائيلية، ولا بقرار نقل السفارة الأمريكية إليها، وها هي تضع أعينها من جديد على المسجد الأقصى لكي تكتمل القصة الأصولية المتطرفة التي من أجلها عاش اليهود حول العالم لمدة ألفي عام وحتى الساعة؟

كثيرا ما استشهدنا بتعبير "ابن جوريون" الأب المؤسس لدولة إسرائيل حتى يمكننا فهم ما الذي يريدونه من المسجد الأقصى، فقد قال الرجل بعد إعلان دولة إسرائيل: "إنه لا فائدة لنشوء وارتقاء الدولة من غير السيطرة الكاملة على مدينة القدس ولا معنى أو قيمة للقدس بدون الهيكل".. ما المعنى والمبنى من هذا الحديث؟

إن قضية إنقاذ المسجد الأقصى تحتاج إلى جهود عربية إسلامية مسيحية مشتركة لإظهار زيف الدعاوى الإسرائيلية الحالية والكفيلة بأن تشعل نيران الحروب الدينية حول العالم، وفي منطقتنا المشتعلة بالفعل والقول، فهل من عمل خلاق مشترك في هذه الأوقات العصيبة؟

طوال ألفي عام هي عمر الدياسبورا أو الشتات الإسرائيلي عاش اليهود حول العالم على أمل وحلم العودة مرة أخرى وتقديم الذبائح داخل الهيكل الذي بناه سليمان بن داود للرب كي تقدم عليه المحرقات، والذي جرى تدميره بشكل شامل وكامل عام سبعين ميلادية على يد الرومان لدى احتلالهم لفلسطين التاريخية، ومن بعدها هاجر اليهود إلى خارجها ولم يوجد الهيكل من بعد رغم جميع المحاولات التي جرت في أعقاب ذلك وجميعها باءت بالفشل.

على أنه طوال الألفي عام التي تشتت فيها اليهود حول العالم ظلوا أوفياء لفكرة العودة إلى "أرض الميعاد" هذا المفهوم التوراتي الذي ملك على عقولهم وقلوبهم ولا يزال، وقد كانت تحية أعيادهم تجري على المنوال التالي.. "كل عام وأنت بخير والعام القادم نلتقي في القدس".

وماذا بعد أن امتلك يهود إسرائيل ولو بالقوة والسطوة لا بالحق والشرعية زمام المشهد في القدس؟

ليس سرا أن التفكير ماضٍ قدمًا من أجل بناء الهيكل، ذاك الذي أطلق عليه الهيكل الثالث، لكن كيف يمكن إعادة بناء هيكل اليهود الجديد وهناك مسجد قائم في موقعه وموضعه حسبما تقول الرواية اليهودية المغرقة في الأصولية؟

القصة طويلة ومعقدة وتحتاج إلى دراسات قائمة بعينها غير أنه وفي اختصار غير مخل يرى يهود إسرائيل وجناح كبير من يهود العالم لا سيما يهود الولايات المتحدة الأمريكية أن حائط المبكى بحسب تسميتهم لحائط البراق، هو الجزء الباقي من هيكل سليمان والذي لم يهدم بعد، وهو خير شاهد على صدق روايتهم التاريخية بحسب معتقداتهم.

من هذا المنطلق يرى الأصوليون من اليهود أن المسجد الأقصى قد تم بناؤه عمدا من قبل المسلمين فوق أنقاض الهيكل القديم من أجل حرمان يهود العالم من إعادة بنائه من جديد لكي تكتمل السلسلة الطقوسية الدينية الإسرائيلية التي توقفت منذ ألفي عام تقريبا.

قصة الهيكل مليئة بالتفاصيل المخيفة حقا والتي لا تنتهي، فخلال حرب الستة أيام من عام 1967 فكر بعض الجنرالات في تدمير الأقصى لا سيما أن العالم العربي في ذلك الوقت كان في أضعف حالاته العسكرية ولم يكن هناك من يقدر أن يمنع مثل هذا الحدث، غير أن القيادات الأكبر سنا رفضت هذا الأمر باعتباره سيكون مجلبة لحروب دينية عالمية هم في غنى عنها.

تجد إسرائيل نفسها اليوم مطلقة اليدين في فعل ما يحلو لها في الداخل، ولم لا وقد وافق الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يصبغ على الدولة العبرية يهودية القومية، ما يعني أنها قلبا وقالبا لابد وأن تكون دولة يهودية في صحوها ومنامها، وفي حلها وترحالها، في طقوسها وشرائعها وعباداتها، وفي القلب منها العودة إلى مسالة تقديم الذبائح في قلب الهيكل كما كانت تنص الشريعة اليهودية الكائنة في التوراة، حتى وإن كان ذلك يعني تدمير الأقصى.

منذ 3 عقود أو أكثر يتعالى الصوت اليهودي المتشدد لجعل الهيكل حقيقة واقعة، وقد استفادت إسرائيل كثيرا جدا من المد الديني المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية، ذاك الذي اعتبر ولا يزال يؤمن بأن مسألة قيام دولة إسرائيل ومن ثم بناء الهيكل متممات لإيمانهم الإنجيلي.

هذا الفريق الأصولي اليميني من مسيحيي أمريكا جرى اختراقهم بالفكر البروتستانتي بجميع ملله ونحله منذ القرن السادس عشر الميلادي، وفي زمن مارتن لوثر الذي كان صديقا صدوقا ليهود أوروبا قبل أن ينقلبوا عليه ويقابلهم بالمثل.

لا يدعم اليمين الأمريكي سيما المتطرف يهود إسرائيل ويساعدهم في طريق إعادة بناء الهيكل حبا وكرامة في أعينهم، بل لغرض براجماتي يتفق ورؤاهم الفكرية واللاهوتية حتى وإن كانت مخترقة.

يرى هذا الفريق أنه لكي يحين الزمن "الاسكاتولوجي" أي زمن قيام الساعة، وعودة السيد المسيح إلى الأرض، فإنه لا بد من أن يتجمع الشعب اليهودي في أرض إسرائيل وأن يقام الهيكل من جديد، وأن تقدم فيه الذبائح وأن يمارس اليهود من كل أنحاء العالم إيمانهم من جديد.

في هذا الإطار يفهم المرء لماذا تدعم أمريكا دولة إسرائيل، فالمسالة تتخطى أهميتها اللوجستية، سيما وإن هناك كثيرا من الدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن الرابط بين أمريكا وإسرائيل رابط عضوي ديني مطلق لا يمكن أن ينفك أو أن ينحل، فيما العلاقات مع دول المنطقة وجلها عربية إسلامية تعد علاقات مصالح ولا يمكن أن تنبني عليها أسس شراكة روحية.

تسعى إسرائيل منذ عقود طوال إلى تهويد المدينة المقدسة القدس، وذلك حتى لا توجد أي مقاومة تذكر حال المضي قدما في هدم الأقصى وبناء الهيكل، ولهذا فهي تطرد العرب الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين من بين جدرانها، ولا تقيم وزنا لكونهم أصحاب المدينة الأصليين والتي تمثل كذلك قدس أقداس المسيحية، كما هي ثالث الحرمين بالنسبة للمسلمين.

الروايات التي تحصلنا عليها عن الهيكل حقا مخيفة، فمنذ التسعينيات وربما قبلها بقليل بدأت إسرائيل في إقامة مدارس دينية خاصة لتعليم طقوس الهيكل وترتيب شعائر إقامة الذبيحة، عطفا على تصميم الملابس الطقسية للكهنة ولرؤساء الكهنة من أجل اليوم الموعود.

وهناك روايات أخرى في الداخل الأمريكي تؤكد أن الهيكل قد تم بناؤه بالفعل في إحدى ولايات أمريكا في سرية تامة، وقد تكون الولاية شيكاغو تحديدا، وأن الأمر يحتاج فقط إلى نقل أحجاره إلى إسرائيل بحرا أو جواء للمضي في إقامة المبنى الموعود.

ولعل ما يؤكد صدق حديثنا هذا هو ما أشيع مؤخرا عن قيام أحد المهندسين الأمريكيين الثقات ويدعى "دانيال سميث" بإعادة بناء الهيكل في صورة ثلاثية الأبعاد تصور الرونق الذي كان للهيكل كما ورد وصفه في "سفر الملوك الأول" من التوراة.

السؤال قبل الانصراف: هل المسيحية التقليدية كالكاثوليكية والأرثوذكسية توافق على هذا الفكر؟

باختصار غير مخل، ترى الكنائس المسيحية الكبرى في العالم أن هذه القصة لا علاقة لها بالإيمان المسيحي ولا بعودة السيد المسيح، وأن العهد الذي كان مع العبرانيين قد انتهى بعد مجيئ المسيح، وأن السيد المسيح نفسه أشار إلى خراب هذا الهيكل حين قال: "لا يبقى ها هنا حجر على حجر إلا وينقض" ولم يأت مطلقا على قصة إعادة البناء.

ويبقى القول إن قضية إنقاذ المسجد الأقصى تحتاج إلى جهود عربية إسلامية مسيحية مشتركة لإظهار زيف الدعاوى الإسرائيلية الحالية والكفيلة بأن تشعل نيران الحروب الدينية حول العالم، وفي منطقتنا المشتعلة بالفعل والقول، فهل من عمل خلاق مشترك في هذه الأوقات العصيبة؟

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات