ثورة التسليح الأمريكي.. «العمالقة الجدد» يدشنون عصر الحروب الحديثة
يرى تحليل نشرته مجلة الإيكونوميست أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة تحول جذري في أسلوب تطوير وإنتاج واستخدام الأسلحة، مدفوعا بتغير طبيعة الحروب الحديثة، وظهور تهديدات منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيّرة.
ويشير التحليل إلى أن صناعة الدفاع الأمريكية تعيد تشكيل نفسها بوتيرة سريعة، مع تراجع هيمنة الشركات التقليدية لصالح موجة جديدة من شركات التكنولوجيا الدفاعية الناشئة التي تعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية.
ووفقًا للتحليل، فإن الحروب الحديثة، خاصة بعد المواجهات مع إيران، كشفت خللًا اقتصاديًا واستراتيجيًا في نموذج التسليح التقليدي، حيث لم يعد من المنطقي—بحسب أحد مسؤولي البنتاغون—استخدام صاروخ تكلفته مليون دولار لإسقاط طائرة مسيّرة لا تتجاوز قيمتها 50 ألف دولار. هذا الاختلال دفع المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى البحث عن حلول أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر مرونة.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الشركات التي يطلق عليها التقرير اسم “العمالقة الجدد” (neo-primes)، وهي شركات تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والقطاع الدفاعي، ومن أبرزها شركة التحليلات البرمجية Palantir Technologies، وشركة الفضاء SpaceX، وشركة الصناعات الدفاعية الناشئة Anduril Industries.
وقد بدأت هذه الشركات في اقتحام عقود وزارة الدفاع الأمريكية بقوة، مقدمة بدائل أسرع وأرخص وأكثر ابتكارًا من الشركات التقليدية.
توجه حكومي
وبحسب التحليل، تدفع إدارة ترامب بقوة نحو هذا التحول، عبر زيادة ميزانيات الدفاع وتبني الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة كركائز أساسية في الاستراتيجية العسكرية الجديدة.
وقد حصلت هذه الشركات على عقود ضخمة، من بينها دمج تقنيات بالانتير في أنظمة القيادة العسكرية، وتوحيد عقود لصالح أندوريل بقيم قد تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات.
في المقابل، لا تزال شركات الدفاع التقليدية مثل لوكهيد مارتن وRTX ونورثروب غرومان تهيمن على الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري، لكنها تواجه انتقادات متزايدة بسبب ارتفاع التكاليف، وبطء وتيرة الابتكار، واعتمادها على نموذج “التكلفة زائد الربح”، الذي يُتهم بإضعاف الحوافز لتقليل النفقات أو تسريع التطوير.
أما الشركات الناشئة الجديدة، فتعتمد بشكل متزايد على عقود ثابتة السعر، ما يدفعها إلى خفض التكاليف وتسريع الابتكار. فعلى سبيل المثال، تعمل أندوريل على تطوير أنظمة موحدة للمحركات الصاروخية قابلة لإعادة الاستخدام في عدة منصات، بينما انتقلت بعض نماذج الطائرات المسيّرة من مرحلة التصميم إلى الاستخدام العسكري خلال أشهر قليلة فقط.
استثمارات ضخمة
ويرى المستثمرون في هذا التحول فرصة هائلة، إذ ارتفعت تقييمات شركات الدفاع الناشئة إلى مستويات غير مسبوقة، رغم أن إيراداتها لا تزال أقل بكثير من نظيراتها التقليدية. كما يشهد القطاع تدفقًا متزايدًا لرؤوس الأموال المغامرة، في إشارة إلى أن المجال الدفاعي أصبح أيضًا قطاعًا استثماريًا سريع النمو.
ومع ذلك، تواجه هذه الشركات تحديات مهمة، أبرزها القدرة على التوسع الصناعي بسرعة لتلبية الطلب العسكري الضخم، خصوصًا أن بعضها لا يزال في مراحل بناء البنية التصنيعية. كما يبرز قلق متزايد من أن يؤدي الاعتماد على عدد محدود من الشركات إلى خلق احتكار جديد داخل قطاع الدفاع بدلًا من تعزيز المنافسة.
ومن جهة أخرى، يحذر خبراء من أن التركيز المفرط على الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إهمال الأنظمة التقليدية الضرورية في الحروب الكبرى المحتملة، مثل أي مواجهة مستقبلية مع الصين، حيث تبقى القدرات العسكرية التقليدية بعيدة المدى عنصرًا حاسمًا.
ويخلص التحليل إلى أن التحول الجاري داخل المجمع الصناعي العسكري الأمريكي يمثل لحظة إعادة تشكيل عميقة قد تعزز الكفاءة وتخفض التكاليف وتسرّع الابتكار، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر تتعلق بالاحتكار وسوء التقدير الاستراتيجي وتداخل المصالح السياسية مع قرارات الأمن القومي.