سياسة

أنقرة-أربيل.. تسونامي الخريف الكردي

الجمعة 2017.9.22 02:01 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 262قراءة
  • 0 تعليق
د. سمير صالحة

في مطلع العام 2011 كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول إن تركيا ستنهي سياسة التنكر للوجود الكردي، وهو يتباهى باستعراض إنجازات التعاون والتقارب بين أنقرة وأربيل. وكان رئيس إقليم شمال العراق مسعود بارزاني يردد أن أردوغان"استطاع أن يستوعب المسألة الكردية بشكل صحيح، وأنه يتمتع برؤية صائبة لحلها أكثر من أي شخص آخر"، ويعلن أن "طبيعة علاقاتنا مع تركيا هي علاقات متشعبة تشمل كافة المجالات"، فهل من المعقول اليوم أن تبدأ أنقرة باتخاذ إجراءات عقوبات اقتصادية ضد مطار أربيل الدولي الذي يعد ثاني مطار أسهمت الشركات التركية في بنائه، وشارك أردوغان نفسه في تدشينه؟

مطلع يوليو/تموز 2016 كان القنصل العام لتركيا في أربيل، يبلغ حكومة الإقليم بموافقة الحكومة التركية، على افتتاح أربيل ممثليتها في أنقرة بشكل رسمي، من منطلق المعاملة بالمثل والاعتراف الدبلوماسي. ثم تزايد حجم تصدير نفط إقليم كردستان العراق إلى تركيا في الأعوام الأخيرة بمعدل 300 ألف برميل يوميا، وذلك بموجب الاتفاقية النفطية المشتركة بين إقليم كردستان وتركيا، رغم غضب بغداد واعتراضها على هذا التقارب والعقود المتعارضة مع بنود الدستور العراقي كما قالت. وبعدها تواصلت سياسة التقارب والانفتاح إلى أن وصلت إلى عقود ثنائية تشمل تنفيذ جملة من المشاريع الضخمة في كردستان العراق، أسهمت في رفع  حجم التبادل التجاري بين أنقرة وأربيل إلى 12 مليار دولار سنويا.

أنقرة تضع في مقدمة أهدافها الحالية إفشال قرار الاستفتاء الكردي، لكن ما يهمها أكثر هو تعطيل ما سيليه من تطورات تطال مصالحها في العراق وشماله، ووضع التركمان في كركوك، وحاجتها للسوق العراقية النفطية، واحتمال المصالحة، والتوحد بين أربيل وحزب العمال الكردستاني

المتحدث باسم حكومة الإقليم الكردي في شمال العراق سفين ديزايي يقول اليوم إنّ حكومة الإقليم الكردي تتفهم مخاوف تركيا من الاستفتاء، ولدينا مع تركيا علاقات ممتازة في الأعوام الأخيرة لا نريد التفريط بها، وندعو لمواصلتها عن طريق الحوار، لكن أربيل تتحرك ميدانيا نحو قرار يتعارض كليا مع هذه الرغبة وتعلن معركة الاستقلال والانفصال حتى ولو كان الثمن التضحية بكل ما بنته من علاقات سياسية واقتصادية مع تركيا فما الذي يدفعها لإحراق السفن على هذا النحو ؟

أنقرة التي تعيش خيبة أمل كبيرة بسبب رهانها على استبعاد أي تحرك كردي عراقي يدغدغ قلوب أكرادها وقناعتها الكاملة أن برجماتية أربيل في إدراكها لحاجتها إلى تركيا إنمائيا وتجاريا ستبقيها تحت رعايتها وحمايتها، تتلقى اليوم الضربة المؤلمة التي تدفعها لتقديم موعد اجتماع مجلس الأمن القومي ومجلس الوزراء التركي لتاريخ 22 سبتمبر/أيلول الجاري، وتظهر حجم غضبها، وأنها ستتحرك على كافة الصعد لقطع الطريق على خطوة بالغة الخطورة ترى فيها تهديدا لأمنها القومي. 

أنقرة تضع في مقدمة أهدافها الحالية إفشال قرار الاستفتاء الكردي، لكن ما يهمها أكثر هو تعطيل ما سيتلوه من تطورات تطال مصالحها في العراق وشماله ووضع التركمان في كركوك، وحاجتها للسوق العراقية النفطية واحتمال المصالحة والتوحد بين أربيل وحزب العمال الكردستاني، وارتدادات الانفصال الكردي على مصالحها وحساباتها الإقليمية.

تقول القيادات السياسية التركية لأكراد أربيل الذين يستعدون لاستفتاء الانفصال والاستقلال: "نحن ننحدر من الحضارات نفسها. إن كونهم أكرادا أو تركمانا أو عربا، وكوننا أتراكا، لا يفصلنا عن بعضنا لكن إذا ما كان قرار الاستفتاء يهدف إلى تقسيم العراق فإننا لن ندعه يستمر". 

 ما يقلق أنقرة هو ولادة دولة كردية في العراق تشجع الملايين من الأكراد في جنوب شرق تركيا يتابعون المشهد في أربيل وينتظرون لحظة التحرك لرفع سقف الحراك والمطالب.

لكن فزاعة الخطوط الحمراء التركية لم تعد ترعب العصافير الكردية في سهول أربيل، حتى ولو كان التلويح هذه المرة بتدخل عسكري تركي يصل إلى عمق الإقليم تحت ذريعة حماية كركوك وتركمانها المهددين عرقيا وسياسيا.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يقول: “كيف لتركيا أن تقبل بإجراء استفتاء كهذا ونحن لنا خط حدودي مع العراق بطول 350 كلم؟”، لكن الزعيم الكردي مسعود البارزاني يرد بأنه حتى ولو تم التأجيل، فإنه في النهاية تأجيل لموعد الانفصال الكردي عن العراق لا أكثر.

 تركيا توجه «رسائل ميدانية» إلى الأكراد . دبابات الجيش التركي تتموضع قبالة الحدود مع العراق. لكن كل ما بمقدور أربيل المساومة عليه والقبول به كما تردد هو ضمانات إقليمية تحترم نتائج استفتاء آخر يقام بإشراف دولي ويأخذ بعين الاعتبار تطلعات أكراد الإقليم وخياراته.

أنقرة التي تستعد لاستيعاب ارتدادات تسونامي الاستفتاء الكردي في الانفصال عن العراق تستعد أيضا لعاصفة  أخرى لا تقل خطورة مصدرها رياح الشمال السوري هذه المرة .

تركيا وسط مشكلة صناعة الحملات والنقلات على رقعة الشطرنج في المرحلة المقبلة داخليا وخارجيا. أكراد تركيا في مدن جنوب الشرق الذين وقفوا إلى جانب حكومة العدالة والتنمية في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة مثلا يتساءلون عن أسباب دعمهم السياسي هذا، طالما أن حزب العدالة والتنمية سينسق مع حزب الحركة القومية اليميني المعروف تماما سياسته الكردية من قبل الحزب الحاكم. هذا التنسيق يعني بالنسبة لهم تخلي حزب العدالة عن سياسته الكردية الانفتاحية التي وعد بها في الأعوام الأخيرة، وأن الخطوات السياسية والأمنية والعسكرية المقبلة ستترك الحكومة أمام ورطة رص الصفوف وراء ما ستعلنه في التعامل مع الملف الكردي بجوانبه التركية والسورية والعراقية.  

 سخرية القدر أن قيادات العدالة والتنمية التركية التي استقبلت بارزاني قبل عامين في مدينة دياربكر المعروفة بكثافتها السكانية الكردية في جنوب شرق تركيا في احتفال جماهيري حاشد، تستعد الآن عسكريا لمواجهة قوات البشمركة التي أسهمت في تدريبها وتجهيزها.

 أنقرة تستعد لاتخاذ جملة من التدابير والعقوبات ضد أربيل في حال ذهابها إلى الاستفتاء على الانفصال، لكن مصالح الآلاف من الأتراك أيضا ستكون مهددة بسبب مشاريع وعقود تجارية بملايين الدولارات.

 أنقرة أيضا وقفت إلى جانب أربيل في مواجهتها مع بغداد، والآن تريد أن ترى بغداد إلى جانبها في أزمتها مع أربيل فهل يكون لها ما تشاء؟

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات