قبو «يوم القيامة».. ملاذ البشرية من «حرب نووية»

في أعماق القطب الشمالي، تحت جليد جزيرة "سبيتسبيرجين"، يختفي قبو "سفالبارد" العالمي للبذور، أو كما يُطلق عليه "قبو يوم القيامة".
وعلى عكس التصورات الشائعة بأنه مجرد مستودع لحفظ البذور الزراعية، فإن هذا القبو يمثل في جوهره مشروعًا استراتيجيًا وسياسيًا بالغ الأهمية، حيث يجسد آخر خطوط الدفاع عن البشرية في حال نشوب "حرب نووية شاملة" قد تدمر النظام البيئي العالمي وتُغرق العالم في مجاعة لا رجعة فيها.
وعلى الرغم من الجهود الدولية للحد من انتشار الأسلحة النووية، إلا أن سباق التسلح والصراعات الجيوسياسية لا تزال تهدد الأمن العالمي.
وفي حال اندلاع حرب نووية بين القوى العظمى، يتوقع أن ينهار النظام الغذائي العالمي بالكامل، حيث ستؤدي الانفجارات النووية إلى سُحُب من الدخان تحجب أشعة الشمس، مما يتسبب في شتاء نووي يقضي على المحاصيل الزراعية ويؤدي إلى مجاعة عالمية قد تستمر لعقود.
القبو والحرب النووية
من هنا، يتحول "قبو سفالبارد" إلى أكثر من مجرد مستودع لحفظ البذور؛ وبالتحديد إلى ملاذ البشرية الأخير للحفاظ على إمكانية إعادة بناء النظام الغذائي العالمي بعد "كارثة نووية".
ومع امتلاكه قدرة استيعابية تصل إلى 1.3 مليون عينة من البذور، يمثل القبو بنكًا وراثيًا دوليًا يضمن استعادة المحاصيل الزراعية بعد نهاية أي حرب عالمية.
قبو محايد
تم افتتاح القبو عام 2008 بمبادرة من الحكومة النرويجية، وبالتعاون مع مؤسسة "كروب ترست" (Crop Trust)، وهي منظمة دولية معنية بحماية المحاصيل الزراعية.
وجرى اختيار الموقع بعناية فائقة ليكون بعيدًا عن الصراعات العسكرية والجغرافيا السياسية، فجزيرة سبيتسبيرجين، التي تقع ضمن أرخبيل سفالبارد النرويجي، منزوعة السلاح بموجب اتفاقية دولية، ما يعني أنها منطقة محايدة لا تخضع لأي قوة عسكرية مباشرة.
وبذلك، تم تحييد القبو عن أي استهداف مباشر في حالة اندلاع حرب نووية، وهو ما يجعله أحد أكثر المواقع أمانًا على وجه الأرض لحماية التنوع البيولوجي الزراعي.
كما أن بنية القبو مصممة لتحمل الانفجارات النووية غير المباشرة والتغيرات المناخية العنيفة، فهو مدفون على عمق 120 مترًا داخل جبل جليدي طبيعي، مما يوفر له درعًا جليديًا يحميه من أي إشعاعات نووية أو تأثيرات حرارية مباشرة.
الدور السياسي للقبو
على الرغم من الترويج للقبو على أنه مشروع علمي وإنساني بحت، إلا أن هناك تساؤلات حول مدى استقلاليته عن المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى.
فالحكومة النرويجية، بالتعاون مع منظمة "كروب ترست" (Crop Trust)، تدير القبو بتمويل دولي، لكن العديد من المحللين يرون أن وجود القبو في أراضي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي "الناتو" يمنحه بُعدًا سياسيًا حساسًا.
وفي حال انهيار النظام الغذائي العالمي، ستكون الجهة المسيطرة على الوصول إلى القبو في موقع قوة هائلة، حيث ستتحكم فعليًا في إعادة زراعة المحاصيل الأساسية، وهو ما قد يعطي نفوذًا جيوسياسيًا غير مسبوق للدول المساهمة في القبو، خصوصًا النرويج والدول الغربية.
استخدام القبو
قبو "يوم القيامة" ليس مخزنا فحسب، بل أثبت فعاليته في مواجهة الكوارث، خلال الحرب في سوريا، تعرض المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (إيكاردا) لأضرار جسيمة، وفقد جزءًا كبيرًا من الموارد الوراثية لمحاصيل القمح والشعير المقاومة للجفاف.
ولجأ العلماء إلى القبو لاستعادة تلك البذور، مما ساعد في إعادة زراعتها لاحقًا في مناطق أخرى.
هذا الحدث يعكس كيف يمكن أن يصبح القبو منقذًا رئيسيًا للدول التي دمرتها الحروب، ولكنه يطرح أيضًا سؤالًا حاسمًا: ماذا لو رفضت القوى الكبرى السماح لدولة منهارة بالحصول على بذورها المحفوظة؟
aXA6IDMuMTQ3LjY1LjQyIA==
جزيرة ام اند امز