في ظل التسارع غير المسبوق للثورة التكنولوجية، بات الذكاء الاصطناعي قوة محورية تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، وتحدث تحولا في أنماط التنمية والتعاون بين الدول.
وكما أكد الرئيس الصيني شي جين بينغ، ينبغي أن يكون تطوير الذكاء الاصطناعي موجها لخدمة الإنسان، وتعزيز التعاون الدولي، وضمان استفادة جميع الدول والشعوب من الفرص التي تتيحها هذه التكنولوجيا.
وتجسد هذه الرؤية أعمال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) في مدينة شنغهاي، الذي لا يقتصر على كونه منصة لاستعراض أحدث الابتكارات، بل يمثل أيضا مساحة دولية للحوار حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، وسبل تطويره بصورة أكثر انفتاحا وأمنا وعدالة.
وتحظى هذه التجربة باهتمام متزايد في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تعد من الدول الرائدة إقليميا في مجال الذكاء الاصطناعي. فمنذ إطلاق استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي، واصلت الإمارات الاستثمار في بناء اقتصاد رقمي متطور، وتعزيز منظومة الابتكار، واستقطاب الكفاءات العالمية، بما يعزز مكانتها مركزا عالميا للتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وفي المقابل، نجحت الصين خلال السنوات الماضية في بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تشمل البحث العلمي، وتطوير التطبيقات، والصناعة، والبنية التحتية الرقمية. ولا تقتصر إنجازاتها على تطوير التقنيات المتقدمة، بل تمتد إلى توظيفها في تطبيقات عملية تخدم قطاعات حيوية، مثل المدن الذكية، والنقل، والطاقة، والرعاية الصحية، والتعليم.
ومن هنا تبرز أهمية التعاون الصيني الإماراتي، إذ تمتلك الصين خبرة واسعة في تحويل الابتكار إلى تطبيقات عملية، بينما تتميز الإمارات ببيئة أعمال منفتحة، وبنية تحتية متقدمة، وموقع استراتيجي يجعلها بوابة رئيسية للأسواق الإقليمية والعالمية. ويهيئ هذا التكامل فرصا واعدة لتوسيع التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي.
وخلال السنوات الأخيرة، شهد التعاون بين البلدين تطورا ملحوظا، وانتقل من مجالات الطاقة والتجارة إلى قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما يشمل الحوسبة السحابية، والمدن الذكية، والتقنيات المالية، والابتكار الصناعي. ومن المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أبرز المحركات التي ستدفع الشراكة الصينية الإماراتية إلى آفاق أوسع خلال المرحلة المقبلة.
ولا يقتصر هذا التعاون على الجانب التقني فحسب، بل يمتد إلى بناء القدرات البشرية وتبادل الخبرات. فالمستقبل يتطلب كوادر مؤهلة قادرة على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها بصورة مسؤولة، وهو ما يجعل التعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات في البلدين ركيزة أساسية للاستثمار في أجيال المستقبل.
وفي الوقت ذاته، يفرض التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي تحديات عالمية تتعلق بأمن البيانات، وحماية الخصوصية، وأخلاقيات الاستخدام. ومن هنا تبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وبناء أطر وقواعد مشتركة تضمن توظيف هذه التكنولوجيا بما يخدم التنمية البشرية ويعزز الثقة في استخدامها.
وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن يكون الذكاء الاصطناعي ساحة للمنافسة أو الاحتكار، بل فرصة لتعزيز التعاون وتقاسم المعرفة. وانطلاقا من هذه الرؤية، تستطيع الصين والإمارات، بما تمتلكانه من إمكانات وخبرات ورؤى مستقبلية، بناء نموذج متقدم للتعاون يجمع بين الابتكار والتنمية، ويجعل من التكنولوجيا جسرا لتعميق العلاقات الثنائية، ودفع التنمية المستدامة، وتحقيق منفعة مشتركة لشعبي البلدين والمنطقة والعالم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة