كل حرب كبرى تكتب شهادة وفاة لخريطة سياسية، وتفتح في اللحظة نفسها نافذة لخريطة أخرى.
المشكلة لا تبدأ من الخرائط الجديدة، وإنما من أولئك الذين يصرون على إدارة العالم بأوراق انتهى مفعولها، ويرفضون الاعتراف بأن القوة حين تغيّر مواقعها، تتغيّر معها تعريفات الأمن، وحدود المصالح، وشكل التسويات الممكنة.
هكذا قامت التسويات الكبرى عبر التاريخ، لم تنتظر أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية عودة الممالك القديمة، ولم تبنِ دول البلقان سلامها على أوهام ما قبل الحرب، ولم تتشكل الأنظمة الإقليمية الحديثة من مجاملات دبلوماسية، فلسفة التسوية تبدأ من الواقعية السياسية، والواقعية لا تمنح أحدًا ما يتمنى، وإنما تلزمه بالاعتراف بما صار قائمًا على الأرض.
من هذه الزاوية يجب النظر إلى الملف اليمني بعد الحرب الأمريكية على إيران، ما يسمى بـ " خارطة الطريق" التي تشكلت فوق هدنة عام 2022 لم تعد تتعامل مع العالم نفسه الذي أنتجها، كانت محاولة للبحث عن مخرج من حرب طويلة، وتخفيف كلفة الاستنزاف، وتهدئة الحدود، وفتح باب لتسوية مع الحوثيين، غير أن تلك الخارطة حملت في داخلها خطيئة سياسية كبيرة ، عندما تعاملت مع القضية الجنوبية كملف يمكن تأجيله، وتعاملت مع الحوثيين كجماعة يمكن احتواؤها وفصلها عن طبيعة المشروع الإيراني.
رفض رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي عيدروس الزبيدي تلك الصيغة، لأن الجنوب لم يكن ضيفًا على الحرب حتى يوضع في غرفة الانتظار، الجنوب كان القوة التي كسرت اندفاعة الحوثيين عام 2015، وحررت عدن، ودفعت المشروع الإيراني إلى ما وراء خطوطه، رفضه لم يكن رفضًا للسلام، وإنما رفضًا لتسوية تعيد توزيع نتائج الحرب على حساب المنتصرين الحقيقيين، وتمنح الحوثيين وجماعة الإخوان فرصة استعادة ما خسروه بالسلاح عبر طاولة التفاوض.
كان المطلوب من الجنوب أن يسلم نصره العسكري إلى صيغة سياسية تعيده مرة أخرى تحت سلطة القوى التي أسهمت في انهيار الدولة، وأن يقبل بتسوية تمنح الحوثيين شرعية الأمر الواقع، وتمنح حزب الإصلاح فرع إخوان اليمن فرصة العودة إلى عدن من بوابة الشرعية اليمنية، لم تكن تلك خارطة للخروج من الحرب بقدر ما كانت محاولة لترتيب انسحاب سعودي يترك الجنوب مكشوفًا بين الحوثيين من الشمال والإخوان داخل مؤسسات السلطة.
تحولات ديسمبر 2025 كشفت انسداد المسار السياسي، وأظهرت أن الهدنة لم تصنع سلامًا، وأن تجميد الجبهات لم يغيّر طبيعة الصراع، بقي الحوثيون على سلاحهم، وبقيت جماعة الإخوان تراهن على استعادة المركز اليمني القديم، وبقي الجنوب مطالبًا بدفع ثمن حرب حرر أرضه منها، ثم طُلب منه أن يقبل العودة إلى المربع الذي خرج منه.
جاءت الحرب الأميركية الإيرانية في 28 فبراير 2026 لتسقط ما تبقى من أوهام، الحوثيون الذين قُدّموا في بعض التصورات شريكًا محتملًا في تسوية يمنية، عادوا إلى وظيفتهم الأصلية داخل منظومة الحرس الثوري، لم تعد صنعاء وحدها ساحة الاستخدام الإيراني أصبحت السعودية هدفًا، وأصبح البحر الأحمر ورقة ضغط، وارتفعت التهديدات نحو الكويت والبحرين، وتحول باب المندب إلى منصة محتملة لتعويض ما تخسره طهران في مضيق هرمز.
إيران تحاول اليوم فرض قواعد اشتباك جديدة تقول فيها إن ضرب أراضيها لن يبقى داخل حدودها، وإن تكلفة المواجهة ستنتقل إلى دول الخليج العربي وممرات التجارة العالمية، وعندما تتراجع قدرة طهران على استخدام هرمز، تدفع الحوثيين نحو باب المندب، وعندما تضيق مساحة المناورة أمام الحرس الثوري، تتحول صنعاء إلى غرفة عمليات متقدمة، وتصبح الجغرافيا اليمنية سلاحًا في حرب لا علاقة لها بمصالح اليمنيين.
هذه التحولات تعيد تعريف القضية الجنوبية من جذورها، لم يعد منح الجنوب استحقاقه السياسي الكامل حلًا لأزمة يمنية فقط، وإنما صار ضرورة لحماية المنطقة، الحرس الثوري ينظر إلى جنوب البحر الأحمر كخاصرة رخوة في شبه الجزيرة العربية، ويعتقد أن الفوضى السياسية في عدن، والتردد في الاعتراف بالواقع الجنوبي، وإبقاء باب المندب داخل معادلة يمنية مهترئة، كلها عوامل تمنحه فرصة لتحويل المضيق إلى سلاح.
الرد الحقيقي على هذه الرؤية لا يبدأ من تحريك المدمرات وحدها، ولا من إصدار بيانات التنديد، وإنما من تحويل الجنوب إلى قوة رافعة في معادلة الأمن العربي بتعريفات الواقعية الزمانية، الدولة الجنوبية المستقرة، الممسكة بعدن وساحلها وباب المندب، قادرة على قلب ما تراه إيران نقطة ضعف إلى قاعدة ردع، وتحويل الجغرافيا التي تراهن طهران على اختراقها إلى جدار سياسي وعسكري يحمي الخليج العربي والبحر الأحمر والتجارة الدولية.
باب المندب عند الجنوبيين لا يمثل ورقة ابتزاز، وإنما شريان حياة، هذه الحقيقة تصنع فارقًا جوهريًا بين مشروع يريد حماية المضيق لأنه جزء من أمنه الوطني، ومشروع إيراني يريد إشعال المضيق لأنه يحتاج إلى ورقة يساوم بها العالم، الجنوب لا يحتاج إلى تهديد الملاحة كي يثبت حضوره، فاستقراره السياسي يقوم أصلًا على بقاء البحر مفتوحًا، وعلى ازدهار عدن، وعلى حماية حركة التجارة بين الشرق والغرب.
عدن بعد تحريرها عام 2015 كانت تملك فرصة أداء هذا الدور، كانت المدينة الخارجة من الحرب قادرة على أن تصبح مركزًا عربيًا متقدمًا، وأن تتحول القوات الجنوبية إلى ذراع حماية للممرات البحرية، وأن يُبنى من ساحل الجنوب خط دفاع عربي في مواجهة التمدد الإيراني. لكن تلك الفرصة أُهدرت حين أصر حزب الإصلاح اليمني على حرف بوصلة الحرب.
لم يكن هدف الإصلاح استكمال تحرير الشمال من الحوثيين بقدر ما كان منع الجنوب من تثبيت انتصاره السياسي، تحولت المعركة من مواجهة المشروع الإيراني إلى محاولة إعادة إخضاع عدن للمركز القديم، جرى استنزاف الجنوب، وتعطيل مؤسساته، وتفجير الصراعات داخله، وإعادة تقديم القوى التي فشلت في صنعاء كوصي على القوى التي انتصرت في عدن.
الاشتباك الذي وقع في أغسطس 2019 لم يكن حادثًا أمنيًا داخل مدينة، ولم يكن نزاعًا محدودًا بين شركاء في معسكر واحد، كان تعبيرًا مبكرًا عن صراع أوسع بين قوى وطنية حملت معها تيار التغيير السياسي في المنطقة الذي تقوده الإمارات العربية المتحدة، وبين جماعة الإخوان المدعومة من تيار الممانعة وشبكاته.
في عدن اصطدمت فكرتان، الأولى ترى الدولة الوطنية أساسًا للاستقرار، وترى القرار السيادي حقًا للشعوب، وترى التنظيمات الأيديولوجية المسلحة خطرًا على مستقبل العرب، الثانية تتمسك ببنية سياسية قديمة، وتستخدم شعارات الوحدة والشرعية لتغطية مشروع احتكار السلطة، وتفتح الباب لتفاهمات مع قوى الممانعة كلما شعرت أن نفوذها مهدد.
أحداث أغسطس 2019 كانت لحظة أظهرت أن الصراع لم يعد بين شمال وجنوب بصورته التقليدية، وإنما بين مشروع يريد إخراج المنطقة من زمن الجماعات الأيديولوجية، ومشروع يرفض مغادرة ذلك الزمن، لذلك لم يكن غريبًا أن تجد جماعة الإخوان لنفسها مساحات مشتركة مع تيار الممانعة، فالمشروعات الأيديولوجية تتخاصم في الشعارات، ثم تلتقي عند العداء للدولة الوطنية.
كان المجلس الانتقالي الجنوبي يعبر عن قوة وطنية خرجت من تجربة المقاومة والتحرير، وترى أن ما بعد عام 2015 لا يمكن أن يُدار بأفكار ما قبل الحرب، وكان حزب الإصلاح يحاول إعادة الجنوب إلى مركز يمني فقد القدرة على حكم صنعاء، ثم أراد أن يستعيد سلطته من عدن، لهذا كان الاشتباك صدامًا بين واقع جديد يريد أن يولد، ومنظومة قديمة تخشى أن تفقد آخر ما تبقى لها.
منذ تلك اللحظة، كان يفترض أن تُقرأ عدن بطريقة مختلفة، المدينة لم تكن عاصمة مؤقتة لحكومة فشلت في إدارة نفسها، وإنما مركز قوة عربية ناشئة، الجنوب لم يكن عبئًا يحتاج إلى الاحتواء، وإنما فرصة لبناء توازن جديد عند باب المندب والقرن الأفريقي، لكن السياسات التي غلب عليها التردد عطلت هذا التحول، ومنحت الحوثيين سنوات ثمينة لإعادة بناء قدراتهم، ومنحت إيران وقتًا إضافيًا لتطوير أدواتها في البحر الأحمر.
الحرب الأمريكية على إيران أعادت فتح هذه الملفات دفعة واحدة، لم يعد من الممكن التعامل مع الحوثيين كقوة محلية ذات مطالب داخلية، الجماعة صارت جزءًا من قواعد الاشتباك الإيرانية الجديدة، عندما تضيق طهران في هرمز، تفتح جبهة في باب المندب، عندما تتعرض منشآتها للضرب، تدفع وكلاءها نحو الجيران.
أمام هذه الوقائع، يصبح الجنوب جزءًا من الحل الإقليمي، الاعتراف باستحقاقه السياسي الكامل لا يقسم جبهة الأمن العربي، وإنما يعيد بناءها، الجنوب القادر على حماية عدن وباب المندب يمنح الخليج العربي عمقًا استراتيجيًا حقيقيًا، ويمنح العالم شريكًا محليًا لديه المصلحة المباشرة في حماية الملاحة، ويقطع الطريق على تحويل الساحل إلى ورقة ابتزاز إيرانية.
من يريد حماية باب المندب عليه أن يبدأ من عدن، ومن يريد تسوية قابلة للحياة عليه أن يقبل بأن الجنوب لم يعد بندًا مؤجلًا في ملف يمني، وإنما صار ركنًا في هندسة الأمن الإقليمي.
التاريخ لا يعاقب من يخسر الحروب فقط، وإنما يعاقب أيضًا من يرفض فهم نتائجها، حرب عام 2015 صنعت واقعًا جنوبيًا جديدًا، واشتباك أغسطس 2019 كشف طبيعة الصراع، وتحولات ديسمبر 2025 أثبتت انسداد الطريق القديم، والحرب الأمريكية على إيران أظهرت أن الحوثيين جزء من مشروع يتجاوز اليمن.
لهذا لم تعد العودة إلى خارطة الطريق ممكنة كما صيغت أول مرة، المطلوب خارطة تعترف بالوقائع، وتعيد ترتيب الأولويات، وتضع الجنوب في موقعه الطبيعي، حين يحصل الجنوب على استحقاقه السياسي الكامل، لن يكون باب المندب نقطة ضعف في خاصرة العرب، وإنما سيصبح بوابة القوة التي تحمي الخليج والبحر الأحمر، وتغلق أمام إيران واحدًا من أخطر أبواب الابتزاز في المنطقة.
فالطريق إلى أمن الخليج العربي لا يبدأ من طهران وحدها، ولا يتوقف عند مضيق هرمز، الطريق يبدأ من عدن، من مدينة دفعت ثمن موقعها، ومن شعب أثبت أنه قادر على حماية أرضه، ومن مشروع سياسي يحمل فرصة تحويل جنوب البحر الأحمر من مساحة تتسلل منها الفوضى إلى قاعدة يستند إليها الأمن العربي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة