لعقودٍ طويلة، اعتقد النظام الثيوقراطي والحرس الثوري الإيراني أن القوة خارج الحدود عبر أذرعه الإقليمية، وموارده الطبيعية الداخلية، وقدراته العسكرية، وجغرافية مضيق هرمز، إلى جانب علاقاته مع موسكو وبكين،
تمثل ضمانة لبقاء النظام وتعزيز مكانته كقوة إقليمية قادرة على الرقص مع واشنطن؛ أي الدخول في صراع ومساومة في آنٍ واحد، لإثبات مكانتها الإقليمية وفرض نفسها باعتبارها قوة دولية كبيرة ذات قوة ونفوذ عقدي واسع في الشرق الأوسط على حساب توازنات الدول العربية وتركيا وإسرائيل.
لقد راهن الحرس الثوري الإيراني على أن الخروج من مسار الهدنة والتفاوض إلى التصعيد، سيجبر واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر مرونة، معتمدًا على تهديد أمن مضيق هرمز، وتحريك الجماعات الحليفة في العراق واليمن ولبنان، باعتبارها أدوات ضغط استراتيجية، إلى جانب تكثيف الاعتداءات على الكويت والبحرين. إلا أن هذه المراهنة تحولت إلى عبء سياسي وعسكري، بعدما أصبحت سببًا في توسيع دائرة المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن ملالي طهران، من خلال الاعتداءات على الكويت والبحرين، انتقلوا إلى سياسة المجازفة الإقليمية؛ وهي سياسة تزيد من عزلة طهران وتوسع دائرة خصومها بدلًا من أن تعزز موقعها التفاوضي. ويكشف اختيار الكويت والبحرين عن رغبة في إحداث أثر كبير على دولتين صغيرتين في بنيتهما الحيوية، واللتين تحتضنان شريحة شيعية كبيرة.
وكان الهجوم الذي أدى إلى مقتل أمريكيين في الأردن نقطة تحول فارقة، إذ تغيرت بعده طبيعة الرد الأمريكي إلى ضربات أكثر كثافة واتساعًا، حيث استهدفت القدرات العسكرية والبنى المرتبطة بالحرس الثوري ومحاولة فصل وعزل السواحل الإيرانية على الخليج عن سيطرة الحرس الثوري والقدرات العسكرية. وأصبح واضحًا أن كلفة التصعيد تجاوزت المكاسب التي راهنت عليها القيادة الإيرانية.
كما أن استخدام الحوثيين للضغط على الملاحة في باب المندب، وتهديد ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، يهدد بتوسيع رقعة الحرب، واحتمالية دخول دول خليجية في المواجهة. وإذا استمرت هذه السياسة، فإن النظام الإيراني قد يجد نفسه أمام اصطفاف إقليمي أكثر تماسكًا، وهو ما يتعارض مع الهدف الذي سعى إليه منذ سنوات، والمتمثل في تفكيك المواقف العربية.
وفي خضم هذه الأحداث، تبرز جهود وساطة إقليمية لاستعادة المفاوضات ووقف إطلاق النار من قبل قطر وباكستان، إلا أن أي هدنة مؤقتة لن تعالج جذور الأزمة العميقة؛ فالقبول بالشروط الأمريكية يعني نهاية مشروع عقدي وأيديولوجي عابر للدول، وتقليص نفوذ شبكاته الإقليمية، الأمر الذي قد يقود إلى أزمة وجودية للنظام الثيوقراطي الإيراني.
وعلى المستوى الداخلي الإيراني، جاءت الوثيقة المسربة والمنسوبة إلى مستشار الرئيس في الشؤون الاجتماعية "علي ربيعي" لتكشف جانبًا من حجم الأزمة الداخلية. فقد أُعد التقرير في يونيو 2026 استنادًا إلى استطلاع للرأي أُجري خلال أبريل ومايو، ثم سُرب ونشرته منصة IranWire المعارضة في 13 يوليو 2026. وتشير نتائجه إلى أن أغلبية واسعة من الإيرانيين ترى أن البلاد بحاجة إلى تغيير، وأن مستويات الغضب والإحباط مرتفعة، بينما تراجعت الثقة بالمؤسسات الرسمية، وحمّل كثير من المشاركين سوء الإدارة والفساد إلى من يحكم البلاد أكثر من العقوبات. ومع أن صحة الوثيقة لم تؤكدها السلطات الإيرانية، فإن مضمونها يتسق مع ما تواجهه إيران من ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
ولعل هذه الحرب كشفت تصورات النظام الإيراني الملالي إذا امتلك القوة، حيث كان سيعمل على بسط سيطرته على مضيق هرمز وتهديد جيرانه. فهذا النظام يتجاوز في رؤيته حدود الدولة القومية ومبادئ السيادة والشرعية الدولية؛ إذ إن المعضلة في إيران ليست في شعوبها وهوياتها المتعددة، وإنما في طبيعة النظام ومشروعه الأيديولوجي.
إن أخطر ما يواجه إيران اليوم ليس الضغوط الخارجية وحدها، بل الفجوة المتزايدة بين الدولة والمجتمع. فالنظام الإيراني لا يعيش ضمن إطار الدولة القومية، إذ تحكمه رؤية عابرة للقوميات والدول والجغرافيا، وهو ما أدى إلى استنزاف موارد إيران، وإفقار شعبها، وجعلها مصدر قلق لسيادة الدول واستقرار المنطقة.
وتعيش المنطقة أمام معادلات متضاربة؛ فهناك معادلة ترى أن من مصلحة معظم الدول العربية أن تبقى إيران دولة قوية من الناحية العسكرية، وألا تنهار الدولة الإيرانية، لأن انهيارها قد يقود إلى موجة كبيرة من اللاجئين، وإلى احتمالات تفكك إيران وفق هوياتها القومية والمناطقية، بما قد يفتح الباب أمام حالة طويلة من عدم الاستقرار. وفي المقابل، توجد معادلة أخرى أكثر واقعية وخطورة، تتمثل في أن امتلاك إيران لقدرات عسكرية متقدمة، تحت قيادة نظام عقدي متطرف يمتلك أذرعًا إقليمية في اليمن والعراق ولبنان، يمثل تهديدًا كبيرًا للدول وسيادتها وشعوبها، بما فيها الشعب الإيراني نفسه الذي استُنزفت موارده وتراجعت فرصه في التنمية والاستقرار.
وفي ختام المقال، نضع القارئ أمام عدة تصورات محتملة لما قد تحمله المرحلة المقبلة. فحدوث تغييرات جغرافية أو تفكك الدولة الإيرانية يبقى احتمالًا سياسيًا لا يمكن الجزم به أو تجاهله، إذ يعتمد على تطورات داخلية وإقليمية ودولية لا تزال مفتوحة. ومن بين التصورات المحتملة، يبدو أن الأكثر ترجيحًا هو أن المشروع الإقليمي الذي قاده النظام الثيوقراطي والحرس الثوري منذ عقود يواجه اليوم مرحلة من التراجع والانهيار، وهو ما قد يفرض البحث عن بديل إيراني داخلي. وفي حال تعذر ذلك، قد يعود سيناريو إعادة تشكيل الخريطة السياسية والجغرافية لإيران وفق هوياتها المختلفة إلى دائرة الاحتمالات. أما تصور بقاء واستمرار نظام الملالي بصورته الحالية، فيبدو أكثر صعوبة في ظل تراجع شرعيته الشعبية واتساع الانقسامات الداخلية. وما تقدمه بعض الدول من دعم للنظام لا يرتبط بالضرورة بدعم مشروعه، بقدر ما يعكس مصالح خاصة ومخاوف من تغير موازين القوة في منطقة الخليج، دون اعتبار كافٍ لتطلعات الشعب الإيراني ومستقبله.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة