يرى قطاع من المراقبين لشؤون جماعة الإخوان المسلمين أن الجماعة الإرهابية دخلت في طور الأفول وتخطت نقطة اللاعودة، وأنها لم تعد تشكل خطرا.
واستدلوا على ذلك بالانشقاقات التي ضربت الجماعة وتصارع جبهات ثلاث على شرعية تمثيل الجماعة؛ الأولى في لندن بقيادة صلاح عبد الحق، والثانية في إسطنبول بقيادة محمود حسين، والثالثة ما يعرف بـ«تيار المكتب العام» (الكماليين) الذي انبثق عنه «مشروع ميدان».
وترتبط به حركة «حسم» الإرهابية كجناح مسلح، بالإضافة إلى حظر الجماعة وتصنيفها كجماعة إرهابية سواء في مصر أو الإمارات، وتضييق المجال أمامها في عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى تصنيف الولايات المتحدة لفروع من الإخوان ككيانات إرهابية أو مرتبطة بالإرهاب، إلى جانب تشديد الرقابة والتدقيق في عدد من الدول الأوروبية، وتراجع الدعم المالي والإعلامي ومساحة الحركة السياسية التي كان يوفرها داعمون إقليميون آخرون.
ويعزز هذا الرأي التباين اللافت في خطاب هذه الجبهات الثلاث فيما صدر عنها من بيانات في ذكرى ثورة 30 يونيو، فبينما استدعت جبهة لندن خطاب المظلومية والشرعية السياسية المتخيلة، وطرحت الثالث من يوليو باعتباره «انقلابا»، نافية عن ثورة 30 يونيو أنها تعبير عن غضب ورفض شعبي حقيقي للجماعة.
أما جبهة إسطنبول، فقد جاء بيانها مهادنا داعيا إلى «حوار وطني» وتجميع القوى المعارضة حول مشروع إنقاذ وطني. في المقابل، جاء بيان حركة ميدان صداميا داعيا لإسقاط النظام، في تجسيد لعقيدة العنف التي ترتبط تاريخيا بالعنف والتطرف الإخواني.
لكن هذا التباين لا يعني بالضرورة انتهاء الجماعة الإرهابية، فصراع الجبهات وتباين الخطاب الظاهري قد يكون، في مستوى أعمق، أحد أنماط تحولها وتكيفها مع الواقع، فالإخوان تاريخيا لم يكونوا حزبا سياسيا بالمعنى التقليدي، بل حتى تجربة حزب «الحرية والعدالة» في الحياة السياسية المصرية كانت أشبه بتجربة المكتب السياسي للجماعة، والإخوان ليسوا جماعة دعوية اجتماعية أيضا، بل حركة عقائدية وتنظيمية تتحرك في مساحات متنوعة تجمع فيها ما بين الدعوة، والتربية، والعمل الاجتماعي، والعمل السياسي، فضلا عن الارتباط بمسارات العنف والتطرف في إطار تنظيمي صارم، قائم على البيعة، والطاعة، والعمل على مستويين علني وسري، يترجم في خطاب مزدوج: خطاب الطمأنة وخطاب التمكين.
وتاريخيا في لحظات الاستضعاف، يكون خطاب «المشاركة لا المغالبة» هو الحاضر؛ لكن عند لحظة التمكين، كما حدث في 2011، تنتقل الجماعة من خطاب المشاركة إلى الهيمنة كحال أغلب جماعات الإسلام السياسي، تكرر الأمر في تونس والجزائر وغيرهما، وسرعان ما يتنصلون، بمجرد وصولهم إلى السلطة، من التزاماتهم وتعهداتهم كما حدث مرات عديدة، أهمها في الانتخابات البرلمانية المصرية في أعقاب ثورة 25 يناير، ثم الدفع بمرشح رئاسي كما حدث لاحقا.
وحتى فكرة تصدير الجماعة، الأوجه المتعددة حسب الحاجة ما بين «صقور» و«حمائم»، أثبتت التجربة أن هذا التعدد كان في الأسلوب فقط، وأن الشخصيات التي قدمت باعتبارها أكثر انفتاحا أظهرت في لحظات التمكين تشددا يبدد كل أوهام الاعتدال، كما شهدت لحظة التمكين تلك إعادة اصطفاف وائتلاف مع المنشقين عن الجماعة، سواء كانوا أفرادا أو من خرجوا من الجماعة لتأسيس كيانات على مختلف ألوان الطيف الإسلامي، وذلك على الرغم من خلافهم السابق العلني مع الجماعة، وذلك كله بهدف إدراك لحظة التمكين والسيطرة على المجال العام وإعادة تشكيله وفقا للعقيدة الإخوانية بكافة الوسائل، بما فيها العنف والإرهاب.
ولكن السؤال الأهم، عزيزي القارئ، هنا: كيف تعمل هذه الجبهات الإخوانية، رغم تنافسها، على إبقاء العقيدة الإخوانية حية وقادرة على إعادة إنتاج وتقديم نفسها في صور مختلفة حسب الجمهور المستهدف؟ فالمسألة لم تعد متعلقة بمن يتولى خلافة المرشد المسجون والمدان بالإرهاب، بل بالقدرة على إعادة طرح المشروع الإخواني كبديل، ومن ثم فإن الإخوان لم ينتقلوا من القوة إلى الموت، بل من التنظيم المركزي إلى المجال الإخواني المتعدد، وهو مجال أقل قدرة على إصدار قرار موحد، لكنه أكثر قدرة على البقاء عبر خطابات متباينة تخاطب جماهير مختلفة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة