الرحم الاصطناعي.. إنقاذ الأرواح أم صناعة «أطفال حسب الطلب»؟
هل أصبحنا على بُعد خطوات من الانتقال من التكاثر البشري التقليدي، إلى عالم يتم فيه الإنجاب عبر الرحم الاصطناعي؟
سؤال يقفز بالذهن مباشرة من مجرد إمكانية الحدوث، إلى مساحات أوسع وأكثر تعقيدا تتعلق بالأخلاق والدين وحدود المقبول إنسانيا. فالثقة المتزايدة في قدرة العلم على تحقيق ما كان يُعد مستحيلًا، لا تلغي القلق المشروع بشأن الثمن الأخلاقي والاجتماعي لهذا التقدم، ولا حدود ما ينبغي قبوله أو التوقف عنده.

هذه الأبعاد العلمية والدينية والأخلاقية كانت حاضرة بقوة في الندوة التي أقامتها مؤسسة أخبار اليوم، الخميس الماضي، لمناقشة كتاب "الرحم الاصطناعي.. عالم ما بعد التكاثر البشري"، لمؤلفه الكاتب والمفكر الدكتور جمال سند السويدي.
وشارك في الندوة، إلى جانب مؤلف الكتاب، كل من الدكتور شوقي علام مفتي جمهورية مصر الأسبق، والدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف المصري السابق، والدكتور عمرو حسن أستاذ النساء والتوليد بجامعة القاهرة، بحضور الكاتب الصحفي إسلام عفيفي رئيس مجلس إدارة دار أخبار اليوم، والدكتور أسامة السعيد رئيس تحرير "الأخبار"، ولفيف من الكُتاب والسياسيين والدبلوماسيين.
ما هو الرحم الاصطناعي؟
انطلقت المناقشات من تعريف مفهوم "الرحم الاصطناعي"، الذي استعرض المؤلف تطوراته التاريخية داخل فصول الكتاب، وصولا إلى التعريف العلمي المتداول حاليا، والذي يصفه بأنه: "تقنية طبية تجريبية تهدف إلى احتضان ونمو الجنين خارج رحم الأم، داخل بيئة صناعية تحاكي بدقة شديدة ظروف الرحم الطبيعي".
ولتفادي الخلط بين هذا المفهوم وغيره من تقنيات الطب التناسلي الحديثة، مثل أطفال الأنابيب، والحقن المجهري، والتلقيح الصناعي، أوضح الكاتب الفروق الجوهرية بينها، من خلال تقسيم مراحل الحمل إلى 3 مراحل أساسية: تكوين الجنين، ثم انغراسه، وأخيرا نموه حتى الولادة، مبينا أن الاختلاف بين التقنيات يكمن في تحديد أي مرحلة تتم داخل جسد الأم وأيها خارجه.

الفروق بين تقنيات الإنجاب الحديثة
تعتمد تقنية أطفال الأنابيب على تلقيح البويضة بالحيوان المنوي داخل المختبر، ثم نقل الجنين إلى رحم الأم ليستكمل نموه الطبيعي حتى الولادة، وتُستخدم هذه الطريقة على نطاق واسع في حالات تأخر الإنجاب أو انسداد قناتي فالوب.
أما الحقن المجهري، فيُعد تطويرا لأطفال الأنابيب، حيث يتم حقن حيوان منوي واحد مباشرة داخل البويضة، ثم يُعاد الجنين إلى رحم الأم، ويُستخدم هذا الأسلوب خصوصا في حالات ضعف الحيوانات المنوية الشديد.
وفي التلقيح الصناعي داخل الرحم، تُحقن الحيوانات المنوية مباشرة داخل رحم المرأة، بينما تتم عملية التلقيح ونمو الجنين بشكل طبيعي داخل الجسم دون تدخل معملي في تكوين الجنين.
أما الرحم الاصطناعي، فيمثل تدخلًا في مرحلة الحمل ذاتها، إذ لا يقتصر على المساعدة في حدوث الحمل، بل يتدخل في مرحلة نمو الجنين، حيث ينمو الجنين خارج جسد الأم داخل بيئة صناعية تحاكي الرحم الطبيعي، تشمل سائلًا مشابها للسائل الأمنيوسي وأنظمة تحاكي وظيفة المشيمة.
ولا تزال هذه التقنية في طور التجريب، وتركز الأبحاث الحالية على استخدامها لإنقاذ الأطفال الخُدج حديثي الولادة، وليس لإتمام حمل بشري كامل من بدايته إلى نهايته، وإن كان ذلك احتمالًا قائما مستقبلًا، وهو ما يجعل كتاب الدكتور جمال السويدي محاولة مبكرة في العالم العربي للاستعداد لهذا التحول برؤية علمية وشرعية متكاملة.

لا تعارض بين العلم والدين
وقبل الخوض في الحكم الشرعي للرحم الاصطناعي، أكد الدكتور شوقي علام مبدأً عاما، مفاده أن الإسلام لا يرفض التقدم الطبي، بل يشجع التداوي، بشرط أن يتم الإنجاب بين زوجين بعقد زواج صحيح، وألا يدخل طرف ثالث في العملية، سواء بويضة أو حيوانا منويا أو رحما بديلا.
وبناء على هذا المبدأ، أقر الفقهاء بجواز أطفال الأنابيب والحقن المجهري، بشرط أن تكون البويضة من الزوجة، والحيوان المنوي من الزوج، وأن يُعاد الجنين إلى رحم الزوجة نفسها، خلال قيام عقد الزواج.
في المقابل، يرفض الشرع استخدام متبرعين بالبويضات أو الحيوانات المنوية، أو زرع الجنين في رحم امرأة أخرى (الرحم المستأجر)، لما في ذلك من اختلاط الأنساب، وهو من مقاصد الشريعة الكبرى.
أما التلقيح الصناعي داخل الرحم، فلا يواجه أي إشكال شرعي، لكونه يتم داخل رحم الزوجة وبحيوانات منوية من الزوج، دون تدخل طرف أجنبي.
الرحم الاصطناعي بين الجواز والتحفظ
وفيما يخص الرحم الاصطناعي، أوضح د. علام أن الحكم الشرعي يتوقف على طبيعة الاستخدام. فإذا كان الاستخدام مؤقتا لإنقاذ حياة الأطفال الخُدّج، فيميل كثير من الفقهاء إلى الجواز باعتباره علاجا.
أما إذا استُخدم كبديل كامل لرحم الأم منذ بداية الحمل حتى نهايته، فتتحفظ غالبية الآراء الفقهية حاليا، نظرا لتعقيدات تتعلق بالنسب والولاية، وغياب الأم الحاضنة، فضلًا عن المخاوف الأخلاقية والاجتماعية الأوسع.
ويتفق الدكتور محمد مختار جمعة مع هذا الطرح، مؤكدا أن لا تعارض بين الدين والعلم طالما حقق العلم مصلحة للبشر، في إطار من الضوابط الشرعية والأخلاقية، معتبرا أن اللجوء إلى الرحم الاصطناعي في حالات الضرورة يمكن أن يكون جائزا إذا التزم بهذه الضوابط.

أسئلة بلا إجابات
من الجانب العلمي، طرح الدكتور عمرو حسن مجموعة من الأسئلة التي لا يزال العلم عاجزا عن الإجابة عنها حتى الآن.
في مقدمتها: هل يمكن محاكاة وظيفة المشيمة صناعيًا؟ موضحا أن المشيمة ليست مجرد قناة تغذية، بل عضو بالغ التعقيد ينظم الهرمونات، ويتحكم في المناعة، ويحدد ما يصل إلى الجنين وما يُمنع عنه.
كما تساءل عن تأثير غياب العلاقة البيولوجية والنفسية بين الأم والجنين، إذ يتأثر الجنين بنبض الأم، وهرموناتها، وأصواتها، وحالتها النفسية، وما إذا كان غياب هذه المؤثرات سيؤثر مستقبلا على السلوك أو الذكاء.
وطرح تساؤلًا ثالثًا حول المناعة، حيث تنقل الأم لأطفالها أجسامًا مضادة وإشارات مناعية دقيقة، فهل سيولد أطفال الأرحام الاصطناعية بمناعة طبيعية أم مختلفة أم أضعف؟
أما السؤال الرابع، فيتعلق بهدف استخدام التقنية: هل ستكون وسيلة علاجية لإنقاذ الأرواح، أم أداة لاختيار الصفات الوراثية، وفتح الباب أمام "تفصيل الأطفال حسب الطلب"؟
كانت هذه التساؤلات العلمية كافية ليثير د.حسن تحفظه على التقنية، لكنه لم يكتف بها قائلا في ختام مداخلته إن " الرحم الاصطناعي يحرم الأم من تجربة الأمومة الفطرية، وما يصاحبها من رابطة عاطفية فريدة، يصعب، وربما يستحيل، تعويضها صناعيا".

السياسة في قلب المشهد
لم تغب السياسة عن الجدل، حيث أثار عدد من المشاركين مخاوف تتعلق بالاستخدام العسكري المحتمل للأرحام الاصطناعية، بوصفه أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق.
وتتمثل هذه المخاوف في إمكانية توظيف التقنية لزيادة أعداد المواليد بسرعة، بهدف إعداد أجيال مخصصة للحروب طويلة الأمد، دون الاعتماد على الحمل الطبيعي.
وتزداد خطورة هذا السيناريو عند ربط الرحم الاصطناعي بالهندسة الوراثية، بما يفتح الباب أمام أجنة مُعدلة وراثيًا تُنمى في بيئات صناعية، بهدف تعزيز القوة البدنية، وزيادة التحمل، وتقليل الإحساس بالخوف أو الألم، وهي صفات قد تُستغل عسكريا على نحو غير مسبوق.
اختبار أخلاقي وحضاري عميق
وكانت المحصلة التي خلص لها المشاركون، أن الرحم الاصطناعي لا يطرح سؤالا علميا فحسب، بل يضع البشرية أمام اختبار أخلاقي وحضاري عميق، وهو: كيف نوازن بين إنقاذ الحياة، وصون إنسانيتها؟ وبين تسخير التقدم العلمي لخدمة الإنسان، ومنع تحوله إلى أداة في مشاريع تتجاوز حدوده الأخلاقية؟
فهذه الأسئلة المفتوحة، قد لا يملك العلم وحده إجاباتها، بقدر ما تتطلب حوارا دائما بين العلماء ورجال الدين وصناع القرار، قبل أن يتحول المستقبل إلى واقع لا يمكن التراجع عنه، وكانت الندوة التي استضافتها أخبار اليوم مساهمة حقيقية في ذلك.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز