أسطورة الردع الأمريكية ترفض التقاعد.. واشنطن تبحث عن وريث «بي-52»
تقترب القاذفة الاستراتيجية الأمريكية بي-52 ستراتوفورتريس، التي شكّلت لعقود العمود الفقري لقدرات الردع بعيدة المدى لدى القوات الجوية الأمريكية، من تحقيق إنجاز غير مسبوق في تاريخ الطيران العسكري
وتخطط واشنطن لبقائها في الخدمة التشغيلية لما يقارب قرناً كاملاً قبل إحالتها إلى التقاعد.
وبينما تواصل هذه الطائرة الأسطورية أداء أدوارها الحيوية، بدأت وزارة الدفاع الأمريكية خطوات عملية لاستشراف مرحلة ما بعدها، عبر دراسة مشروع "القاذفة الثقيلة الجديدة" التي يُنتظر أن تحمل إرثها الاستراتيجي في المستقبل، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.
يأتي هذا التوجه بالتزامن مع استمرار القوات الجوية الأمريكية في تنفيذ برنامج تحديث شامل لأسطول بي-52، يضمن بقاءه فاعلاً حتى أواخر أربعينيات أو مطلع خمسينيات القرن الحالي. ويُعد استبدال محركاتها الأصلية بالكامل أبرز هذه التحديثات، في خطوة توصف بأنها الأهم منذ عقود، لما تحمله من تحسينات جوهرية في الكفاءة التشغيلية والمدى والاعتمادية.
تحسينات جوهرية
ومن المنتظر أن يتوج هذا التطوير بتسلم أولى النسخ المحدثة من الطراز بي-52 جيه خلال العام الجاري، في أول تعديل رسمي على تسمية الطائرة منذ أكثر من ستة عقود، وبعد 64 عاماً من إغلاق خط إنتاجها النهائي عام 1962.
ووفقاً للخطط الأمريكية طويلة الأمد، ستعمل بي-52 جنباً إلى جنب مع القاذفة الشبحية الحديثة بي-21 رايدر بحلول أواخر ثلاثينيات هذا القرن، في إطار إعادة هيكلة شاملة لأسطول القاذفات الاستراتيجية الأمريكي.

ومن المتوقع أن تشهد تلك المرحلة الخروج التدريجي لقاذفتي بي-1 بي لانسر وبي-2 سبيريت من الخدمة، رغم خضوعهما لتحديثات مرحلية تهدف إلى تمديد عمرهما التشغيلي لسنوات إضافية.
وفي هذا التوزيع العملياتي الجديد، ستضطلع بي-21 بمهام الاختراق العميق داخل الأجواء المعادية بفضل قدراتها الشبحية المتقدمة، فيما ستواصل بي-52 أداء دورها كمنصة إطلاق بعيدة المدى قادرة على حمل كميات ضخمة من الذخائر والصواريخ.
لكن السؤال الذي بات يفرض نفسه داخل أروقة البنتاغون يتمثل في هوية القاذفة التي ستخلف ستراتوفورتريس مستقبلاً. وكشفت وثائق داخلية خاصة بتبرير الميزانية أن القوات الجوية الأمريكية تعتزم بدء "تحليل البدائل لقاذفة ثقيلة جديدة" خلال العام المقبل، في خطوة تستهدف وضع المعايير الأساسية لمنصة القصف الاستراتيجية القادمة، من حيث الأداء والقدرات التشغيلية والتصميم الهيكلي.

ويشير إدراج المشروع ضمن برامج تحديث بي-52 إلى أن الهدف الاستراتيجي يتمثل في ضمان انتقال سلس من عصر ستراتوفورتريس إلى جيل جديد من القاذفات الثقيلة، وخاصة أن محاولات استبدالها السابقة لم تحقق النجاح المنشود.
ففي سبعينيات القرن الماضي، جرى تطوير بي-1 بي لانسر لتكون البديل الأسرع من الصوت والقادر على تنفيذ اختراقات منخفضة الارتفاع، إلا أن إنتاجها بقي محدوداً.
أما بي-2 سبيريت، التي صُممت لتكون القاذفة النووية الرئيسية، فقد اصطدمت تكلفتها الباهظة بالمتغيرات الجيوسياسية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، ما أدى إلى تقليص أسطولها المخطط له من 132 طائرة إلى 21 فقط.
واليوم، ومع اقتراب لحظة الحسم، تبرز معضلة جديدة تتمثل في محدودية الحمولة الداخلية لقاذفة بي-21 مقارنة بالقدرات الهائلة التي توفرها بي-52، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى خيارين استراتيجيين: إما تطوير قاذفة ثقيلة جديدة كلياً لسد هذه الفجوة، أو الاكتفاء بالمنصات الشبحية الحديثة وإنهاء حقبة القاذفات الثقيلة التقليدية بصورة نهائية.
وحتى يتضح المسار، يبقى الرهان قائماً على قدرة أسطول بي-52 جيه، الذي يضم حالياً 58 طائرة في الخدمة الفعلية و18 أخرى في الاحتياط، إلى جانب عدد من الطائرات المخزنة، على مواصلة التحليق لعقود إضافية، ليكتب بذلك الفصل الأخير من مسيرة استثنائية تضعه في مصاف أكثر منظومات التسليح بقاءً وتأثيراً في التاريخ العسكري الحديث.
مواصفات القاذفة بي-52 ستراتوفورتريس
- سنة دخول الخدمة: 1955
- العدد المُصنَّع: 744 طائرة (جميع الطرازات)؛ حوالي 76 هيكل طائرة من طراز بي-52 إتش لا تزال في خدمة القوات الجوية الأمريكية.
- الطول: 48.5 متراً
- باع الجناح: 56.4 متراً
- الوزن: فارغة: حوالي 84,000 كجم
- أقصى وزن للإقلاع: 221,000 كجم
- السرعة القصوى: 1,046 كم/ساعة)؛ أي ما يعادل 0.86 ماخ تقريباً على الارتفاعات العالية.
- نصف قطر القتال: يعتمد على المهمة والحمولة؛ تتفاوت أنصاف أقطار القتال العملية النموذجية بشكل كبير (تقريباً بين 3,000 و7,000 كيلومتر اعتماداً على الحمولة ومسار الرحلة والتزود بالوقود جوّاً).
- سقف الطيران: 15,240 متراً؛ يختلف باختلاف الحمولة.
- الحمولة التسليحية: 31,500 كجم من الذخائر المتنوعة.
- الطاقم الجوي: 5 أفراد (طيار، مساعد طيار، ضابط أنظمة أسلحة، ملاح، ضابط حرب إلكترونية)؛ يتغير العدد وفقاً لمعايير الحمولة والمهمة.