دراسة تكشف حيلة بكتيرية لعبور ممرات أصغر من حجمها
تمكن فريق دولي من الباحثين من كشف الآلية التي تستخدمها بعض أنواع البكتيريا لاختراق مساحات مجهرية بالكاد تتسع لأجسامها.
ورصد الباحثون التفاف أسواط البكتيريا حول نفسها والحركة إلى الأمام بطريقة تشبه حركة البرغي، وهي نوع من الحركة يجمع بين الدوران والتقدّم إلى الأمام في الوقت نفسه، مثل الطريقة التي يدخل بها البرغي في الخشب عندما نلفه.

وأظهرت الدراسة التي أعدها باحثون من جامعة الاتصالات الإلكترونية طوكيو، اليابان ، أن البكتيريا التكافلية قادرة على عبور أنفاق لا يتجاوز عرضها ميكرومترًا واحدًا، أي أصغر من قطر شعرة الإنسان، من خلال نمط حركة غير مسبوق يُعرف باسم "التفاف السوط".
وتُعد هذه الممرات شبيهة بالقنوات الموجودة داخل أمعاء الحشرات، حيث تعيش هذه البكتيريا وتؤدي دورا حيويا.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة "نيتشر كومينيكيشنز"، قادها باحثون من اليابان، من بينهم الدكتور دايسوكي ناكاني والدكتور تيتسو كان من جامعة الاتصالات الكهربائية، والدكتور هيروفومي وادا من جامعة ريتسوميكان، والدكتور يوشيتومو كيكوتشي من المعهد الوطني للعلوم والتكنولوجيا الصناعية المتقدمة.
محاكاة أمعاء الحشرات داخل المختبر
ولاكتشاف هذه الحركة غير العادية، صمّم الباحثون جهازًا ميكروفلويديًا يحاكي هندسة «عضو الفرز» داخل أمعاء الحشرات. وتحت المجهر، رُصدت بكتيريا تُعرف باسم" كاباليرونيا إنسِكتيكولا "، وهي تتحرك بسلاسة داخل القنوات الضيقة عبر لف أسواطها حول أجسامها ثم فكّها بشكل متكرر، في حين فشلت أنواع بكتيرية قريبة منها في العبور وبقيت عالقة.
وأكدت المحاكاة الحاسوبية أن هذا النمط الحركي يمنح البكتيريا أفضلية ميكانيكية واضحة؛ ففي المساحات الضيقة، لا تؤدي حركة السوط التقليدية سوى إلى تحريك السائل المحيط، بينما يعمل التفاف السوط كبرغي دوّار يدفع الخلية إلى الأمام مستفيدًا من جدران القناة.
مفصل صغير يصنع الفارق
كما كشفت التجارب الجينية أن مفتاح هذه القدرة يكمن في مفصل دقيق ومرن يُعرف باسم «الخطاف»، يربط بين محرك السوط وخيطه الحلزوني. وعندما استبدل الباحثون الجينات المسؤولة عن هذا المفصل بين أنواع بكتيرية مختلفة، فقدت البكتيريا قدرتها على الحركة داخل المساحات الضيقة، بل وحتى قدرتها على إصابة الحشرات المضيفة.

آفاق علمية وهندسية واعدة
ويسلط هذا الاكتشاف الضوء على استراتيجية بقاء فيزيائية جديدة لدى البكتيريا، ويُظهر كيف تستطيع كائنات مجهرية بسيطة استغلال مبادئ ميكانيكية معقدة للتكيف مع بيئات شديدة الصعوبة.
ولا تقتصر أهمية النتائج على علم الأحياء فقط، إذ قد تُلهم هذه الآلية تطوير روبوتات دقيقة قادرة على الحركة داخل الأنسجة أو البيئات المزدحمة واللزجة، مثل أنظمة الترشيح أو التطبيقات الطبية.
ويقول الدكتور دايسوكي ناكاني: "يُظهر التفاف السوط كيف تحل الكائنات الحية مشكلات ميكانيكية بطرق أنيقة وغير متوقعة. إنها نسخة مجهرية من عبقرية هندسية طوّرتها الطبيعة عبر التطور".