لندن تراهن على «بروتيوس».. مروحية بالذكاء الاصطناعي تغير قواعد البحر
في عالم تتسارع فيه التهديدات البحرية وتتبدل معادلات الردع، تراهن لندن على أن التفوق في المستقبل لن يُقاس بعدد السفن، بل بقدرة التكنولوجيا على البقاء والمناورة والسيطرة.
فمع إقلاع «بروتيوس»، أول مروحية ذاتية التشغيل كاملة الحجم، يتبلور تحول استراتيجي يعيد تعريف مفهوم القوة الجوية، ويفتح الباب أمام شراكة غير مسبوقة بين الإنسان والآلة.
هذه الرحلة الأولى ليست مجرد اختبار تقني، بل إعلان مبكر عن ولادة «بحرية هجينة» تُدار بالعقول قبل العضلات، وتُبنى على أنظمة قادرة على العمل في أخطر البيئات دون كلفة بشرية.
وخلال الأسبوع الماضي، نفذت البحرية الملكية البريطانية أول رحلة تجريبية للمروحية الذاتية «بروتيوس»، في خطوة استعراضية أبرزت كيف يمكن للمنصات غير المأهولة أن تعمل جنبًا إلى جنب مع الطائرات المأهولة. وأوضحت البحرية، في بيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن هذا النموذج يجسّد ما أطلقت عليه «الجناح الجوي الهجين».
فماذا نعرف عن أول مروحية ذاتية التشغيل؟
ورغم أن الجيش البريطاني يشغّل بالفعل عددًا كبيرًا من أنظمة الطائرات غير المأهولة، فإن «بروتيوس» تتميز بقدرتها على حمل حمولات أكبر والبقاء في الجو لفترات أطول مقارنة بالطائرات المسيّرة العاملة حاليًا في الخدمة.
طُوّرت «بروتيوس» وصُنعت من قبل مجموعة «ليوناردو» الدفاعية الإيطالية، لتكون منصة استعراض تكنولوجي مخصصة للبحرية الملكية.
وأُجريت الرحلة الأولى في مطار بريداناك بمقاطعة كورنوال، بعد أسابيع قليلة فقط من اختبارات أرضية نُفذت في منشآت الشركة بمدينة يوفيل في مقاطعة سومرست جنوب إنجلترا.
وشهدت التجربة حضور مهندسين وفنيين وممثلين عن شركة «ليوناردو»، إلى جانب مسؤولين من البحرية الملكية ووحدة الابتكار الدفاعي البريطانية (UKDI)، التي أُطلقت في يوليو الماضي بهدف تعزيز الابتكار وتأمين «التكنولوجيا المتقدمة» للقوات المسلحة البريطانية.
وجرى تكليف «ليوناردو» بتطوير «بروتيوس» ضمن برنامج تبلغ قيمته 60 مليون جنيه إسترليني (نحو 80 مليون دولار)، لا يهدف فقط إلى تزويد وزارة الدفاع البريطانية بتقنيات جديدة، بل يدعم أيضًا أكثر من 100 وظيفة عالية المهارة.
وقال الكومودور ستيف بولتون، نائب مدير برامج الطيران المستقبلية في البحرية الملكية: إن النجاح في أول رحلة لـ(بروتيوس) يمثل خطوة مهمة في تحقيق رؤية البحرية الملكية لتحول الطيران البحري، ويعكس التزامنا الراسخ بالاستثمار في الأنظمة الذاتية كجزء من جناح جوي هجين».
وأضاف بولتون: «هذا الإنجاز يبعث برسالة واضحة عن نيتنا قيادة الابتكار التكنولوجي، وتعزيز الفاعلية القتالية للبحرية الملكية في بيئة تشغيلية تزداد تعقيدًا، والحفاظ على التفوق العملياتي في مواجهة التهديدات البحرية المتطورة».
وخلال رحلة الاختبار، حلّقت «بروتيوس» دون أي تحكم بشري مباشر، لكنها بقيت تحت «إشراف ومراقبة مستمرين» من قبل طيارين اختباريين على الأرض.
ملامح «البحرية الهجينة»
تُعد «بروتيوس» واحدة من عدد محدود جدًا من المروحيات الذاتية كاملة الحجم التي جرى تطويرها حتى الآن. وهي مزودة بنظام حوسبة متقدم وحزمة حساسات عالية التطور، وتدار عبر برمجيات تعتمد على تقنيات التعلم الآلي المتقدمة.
وتستطيع المروحية العمل دون تدخل بشري، مع قدرة البرمجيات على تفسير البيئة المحيطة، بما في ذلك التشغيل في ظروف جوية قاسية مثل اضطراب البحر وشدة الرياح. كما يمكن استخدامها في نقل المعدات، بما في ذلك نقل الحمولة من البر إلى السفن في عرض البحر.
ورغم أنها غير مسلحة، فإن «بروتيوس» قد تُستخدم في مهام مكافحة الغواصات، بما يشمل تنفيذ دوريات استطلاعية ونقل المعلومات إلى شبكة مترابطة من المروحيات والسفن والغواصات الحليفة، وذلك ضمن ما وصفته البحرية بـ«استراتيجية الحصن الأطلسي».
وقال نايجل كولمان، المدير العام لقسم المروحيات في «ليوناردو» بالمملكة المتحدة: «تمثل (بروتيوس) نقلة نوعية في كيفية إسهام الطيران البحري في تحقيق الاستمرارية والمرونة واتساع نطاق العمليات، عبر تنفيذ المهام الرتيبة والخطرة وفي البيئات الصعبة، دون تعريض المشغلين البشر للخطر».
محطة فارقة
وأضاف: «وباعتبارنا الشركة البريطانية الوحيدة التي تمتلك قدرات تصنيع كاملة لمنصات الجناح الدوار، كان من دواعي سرورنا العمل مع البحرية الملكية. ورؤية (بروتيوس) تقلع للمرة الأولى بعد تصميمها وتطويرها وتصنيعها في منشأة يوفيل التابعة لـ(ليوناردو) تمثل محطة فارقة بكل المقاييس».
وتعزز هذه الرحلة ما دعا إليه «مراجعة الدفاع الاستراتيجية» من إنشاء «بحرية هجينة جديدة» تعتمد على أنظمة ذاتية وشبه ذاتية لتعزيز القدرات العسكرية البريطانية.
من جانبه، قال وزير شؤون الجاهزية الدفاعية والصناعة لوك بولارد: تمثل هذه الرحلة الأولى لحظة فخر للابتكار البريطاني. فـ(بروتيوس)، التي صُممت وصُنعت في يوفيل، تدعم الوظائف الماهرة في المملكة المتحدة، وتسهم في بناء البحرية الهجينة التي حددتها مراجعة الدفاع الاستراتيجية».
وأضاف: «ستكون الأنظمة الذاتية مثل هذه عنصرًا حيويًا في حماية بحارنا، من دون تعريض أفرادنا لمخاطر غير ضرورية».
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQxIA== جزيرة ام اند امز