سلالة «بونديبوجيو» من إيبولا .. لماذا لم يكن العالم مستعدا لها؟
في الوقت الذي ركزت فيه جهود مكافحة الإيبولا خلال السنوات الماضية على أخطر سلالاته وأكثرها انتشارا، برزت فجأة سلالة "بونديبوجيو".
وتقود نلك السلالة النادرة من الفيروس، واحدة من أسرع موجات التفشي في تاريخ المرض الحديث، ما أثار تساؤلات واسعة حول أسباب ضعف الاستعداد العالمي لمواجهتها.

وتشهد جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ مايو/ آيار الماضي تفشيا متسارعا لهذه السلالة النادرة، التي كانت مسؤولة عن عدد محدود من الفاشيات منذ اكتشافها لأول مرة في أوغندا عام 2007.
ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن سلالة بونديبوجيو تختلف عن سلالة "زائير" الأكثر شهرة، والتي استندت إليها معظم اللقاحات والعلاجات التي جرى تطويرها خلال العقد الماضي.
ويكمن التحدي الأكبر في أن العالم لا يمتلك حتى الآن لقاحا معتمدا أو علاجا مخصصا لهذه السلالة، على عكس سلالة زائير التي استفادت من استثمارات ضخمة في الأبحاث بعد تفشي غرب أفريقيا بين عامي 2014 و2016. ولهذا وجد الأطباء والعاملون في الصحة العامة أنفسهم أمام فيروس معروف، لكن بأدوات محدودة لمكافحته.
ويشير خبراء الصحة إلى أن ندرة ظهور سلالة بونديبوجيو كانت أحد أسباب إهمالها نسبيا في برامج تطوير اللقاحات. فمعظم حالات الإيبولا التاريخية ارتبطت بسلالة زائير الأكثر فتكًا، ما دفع شركات الأدوية والجهات الممولة إلى توجيه الموارد نحوها، بينما ظلت السلالات الأقل شيوعًا خارج دائرة الاهتمام البحثي المكثف.

ولم تقتصر المشكلة على غياب اللقاحات، بل تزامن التفشي الحالي مع ظروف معقدة في المناطق المتضررة، تشمل النزاعات المسلحة، وصعوبة الوصول إلى بعض المجتمعات المحلية، ونقص التمويل الصحي، إضافة إلى انتشار المعلومات المضللة وعدم الثقة في السلطات الصحية. ويرى خبراء أن هذه العوامل مجتمعة سمحت للفيروس بالانتشار قبل اكتشافه واحتوائه بصورة فعالة.
ويُعد فيروس بونديبوجيو أقل فتكًا من سلالة زائير، إذ تتراوح نسبة الوفيات المرتبطة به عادة بين 30 و40%، لكنه لا يزال قادرا على التسبب في حمى نزفية شديدة وفشل متعدد في الأعضاء لدى المرضى المصابين. كما ينتقل عبر الملامسة المباشرة لدماء المصابين أو سوائل أجسامهم، ما يجعل العاملين في الرعاية الصحية وأفراد الأسرة من أكثر الفئات عرضة للخطر.
ومع تزايد أعداد الإصابات، بدأت تجارب سريرية طارئة لاختبار علاجات تجريبية قد تساعد في الحد من الوفيات، بينما يسابق العلماء الزمن لتقييم لقاحات وأدوية يمكن أن تكون فعالة ضد هذه السلالة النادرة. ويأمل الباحثون أن تسهم هذه الجهود في سد فجوة طالما حذر منها المتخصصون، وهي التركيز على السلالات الأكثر شهرة وإهمال الفيروسات الأقل انتشارًا حتى تتحول فجأة إلى تهديد عالمي.
ويؤكد خبراء الصحة العامة أن الدرس الأبرز من الأزمة الحالية هو أن الاستعداد للأوبئة لا ينبغي أن يقتصر على التهديدات المعروفة فقط، فالفيروسات النادرة قد تبقى لعقود في الظل، لكنها قادرة على العودة في أي وقت لتكشف نقاط الضعف في منظومة الاستجابة العالمية للأمراض المعدية.