معركة النفوذ الخفي.. أوراق مهمة تحسم الاتفاق التجاري بين أمريكا وكندا
مع اقتراب مراجعة الاتفاق التجاري لأمريكا الشمالية، يكشف تحليل أمريكي عن تحولات في موازين القوة بين واشنطن وأوتاوا، حيث تمتلك كندا أوراق ضغط استراتيجية قد تعيد تشكيل قواعد التفاوض.
قال تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي إن الولايات المتحدة تحتاج بالفعل إلى كندا أكثر مما يعتقده الرئيس دونالد ترامب.
ففي الأول من يوليو/تموز، تصل كل من كندا والمكسيك والولايات المتحدة إلى أول موعد نهائي حقيقي لمراجعة اتفاقها التجاري الثلاثي، المعروف باسم اتفاق الولايات المتحدة-المكسيك-كندا (USMCA). وبحلول ذلك التاريخ، يتعين على الحكومات الثلاث إما الموافقة على تجديد الاتفاق أو الإشارة إلى نيتها الانسحاب، حتى مع استمرار المفاوضات.
ووفقًا للتحليل، لا تقتصر أهمية هذا الموعد على تجارة أمريكا الشمالية فحسب، بل يمثل أيضًا أول اختبار رئيسي لما إذا كانت أوتاوا تمتلك نفوذًا أكبر في علاقتها مع واشنطن مما اعتاد صانعو السياسات افتراضه.
واعتبر كل من ستيفن جلوبرمان وجوك فينلايسون، من معهد فريزر، أن الحفاظ على الاتفاق سيتطلب من كندا قبول "تنازلات سياسية صعبة" في مجالات مثل إدارة الإمدادات، والحماية الثقافية، والخدمات المصرفية، والاتصالات، وتسعير الأدوية. في المقابل، وصف باتريك لوبلون، من جامعة أوتاوا، الموقف الأمريكي علنًا بأنه أشبه بقول: "سنضع المسدس على رأسك، وستمنحنا ما نريد".
واستحوذت الولايات المتحدة على نحو 71.7% من صادرات السلع الكندية في عام 2025، رغم أن هذه النسبة تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي.
موقف كندا
في كندا، أظهر استطلاع أجرته شركة "أباكوس داتا" في فبراير/شباط أن 45% فقط من الكنديين يعتقدون أن انتهاء الاتفاق سيكون سيئًا لبلادهم، بينما رأى معظمهم أنه لن يحدث فرقًا أو قد يكون إيجابيًا. كما أفاد نصف المشاركين في الاستطلاع بأن رئيس الوزراء مارك كارني يحمي المصالح الأساسية دون تقديم تنازلات مفرطة.
وخلصت البيانات إلى أن الكنديين يفضلون تبني استراتيجيات تعزز النفوذ وتدعم تنويع العلاقات التجارية، بدلًا من تقديم تنازلات بهدف تحقيق تهدئة قصيرة الأجل.
في المقابل، يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضغوطًا متزايدة، تشمل تقلبات أسواق الطاقة بعد صدمة إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى جانب تحديات إدارة قطاعات تعتمد بشكل كبير على كندا، ما يجعله الطرف الأقوى نظريًا، لكنه في الوقت ذاته أكثر تقييدًا.
قوة نسبية
يرى التحليل أن الدولة الأضعف لا تحتاج إلى مضاهاة الدولة الأقوى كي تمتلك نفوذًا؛ بل يكفي أن تكون ذات أهمية في مجالات لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة. وبالتالي، فإن السؤال ليس ما إذا كانت كندا أقوى من الولايات المتحدة، بل ما إذا كانت تحتل موقعًا استراتيجيًا يمكّنها من التأثير في حسابات واشنطن.
وتُعد الطاقة المثال الأبرز على ذلك؛ إذ تُعد كندا أكبر مورد خارجي للنفط الخام إلى الولايات المتحدة، بما يقارب 60% من وارداتها، وهي علاقة ترتكز على بنية تحتية متشابكة من خطوط الأنابيب.
ورغم اعتماد كندا الكبير على السوق الأمريكية، فإن الأزمات تكشف الفارق، حيث يؤدي أي اضطراب قصير الأجل إلى إلحاق ضرر مباشر بالمستهلك الأمريكي ومصافي التكرير المصممة لمعالجة النفط الكندي، بينما تتحمل كندا كلفة سياسية أقل.
وتزداد أهمية هذا العامل في ظل التوترات مع إيران، التي أسهمت في ارتفاع الأسعار وتراجع ثقة المستهلكين. ورغم محاولات واشنطن تنويع مصادر الإمداد عبر دول مثل فنزويلا أو إيران، يبقى النفط الكندي الأكثر استقرارًا وموثوقية.
ويمتد هذا الاعتماد إلى المعادن الاستراتيجية، مثل النيكل، الضروري لصناعة البطاريات والصلب، حيث تعتمد الولايات المتحدة على الواردات بنسبة 41%، وتُعد كندا المورد الرئيسي، خاصة في ظل هيمنة إندونيسيا والصين على سلاسل الإمداد العالمية.
كما يمنح عامل الوقت كندا ميزة إضافية، إذ تتمتع حكومة مارك كارني بأغلبية قد تستمر حتى عام 2029، في حين يواجه ترامب ضغوطًا سياسية واستحقاقات انتخابية قريبة، ما يعني ببساطة أن ترامب يواجه عامل الوقت، بينما تمتلك كندا هامشًا أوسع للمناورة.
ومع ذلك، يحذر التحليل من مخاطر محتملة، إذ قد تتجه واشنطن إلى تفكيك الاتفاق أو إعادة صياغته في صورة ترتيبات ثنائية، وهو ما قد يزيد الضغوط على كندا والمكسيك، ويهدد استقرار السوق الإقليمي.
ورغم هذه المعطيات، لا تبدو المفاوضات سهلة، إذ يميل ترامب إلى تحقيق مكاسب واضحة حتى وإن كانت أقل كفاءة اقتصاديًا. ويبقى التحدي أمام كندا في الحفاظ على موقعها التفاوضي دون تقديم تنازلات رمزية كبيرة.
ويؤكد التحليل أن على أوتاوا ربط ملف التجارة بقضايا أمن الطاقة والمعادن، وتأجيل تقديم أوراقها التفاوضية حتى تضمن شروطًا أفضل، مع التنسيق مع المكسيك لرفض أي توجه نحو التفاوض الثنائي.
وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بمواجهة مباشرة، بل بإدارة ذكية للمصالح، على أن يكشف قرار يوليو/تموز المسار الذي ستتبعه كندا: بين الاستمرار في نهج الدفاع التقليدي، أو تفعيل أوراق قوتها الاستراتيجية بفعالية أكبر.