بين التثبيت والخفض.. أول اجتماع لـ«المركزي المصري» في 2026 يحدد مسار الفائدة
تترقب الأسواق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري غدا الخميس، وهو الأول في 2026، بعد مرحلة من التيسير النقدي القوي شهدها الاقتصاد المصري العام الماضي.
يأتي الاجتماع بعد أن خفض البنك المركزي أسعار الفائدة خلال 2025 بإجمالي 725 نقطة أساس، في تحول واضح عن سياسة التشديد التي اتبعها في أعقاب أزمة العملة وارتفاع التضخم القياسي خلال 2023.
وتستقر أسعار الفائدة حاليًا عند 20% للإيداع و21% للإقراض، فيما يبلغ سعر العملية الرئيسية 20.5%، وهو مستوى أقل بكثير من الذروة التي بلغتها الفائدة عندما تم رفعها إلى 27.25% في مارس/آذار 2024 ضمن حزمة إصلاحات اقتصادية صاحبت اتفاقًا تمويليًا بقيمة 8 مليارات دولار مع صندوق النقد الدولي، تضمن أيضًا تحرير سعر صرف الجنيه.
ويعكس التحول من التشديد الحاد إلى التيسير التدريجي تغيرا في المشهد الاقتصادي، خصوصا مع انحسار الضغوط التضخمية وتحسن المؤشرات الخارجية، ما يطرح تساؤلا حول مواصلة البنك المركزي خفض الفائدة في اجتماعه الأول هذا العام، أم يتجه إلى التثبيت انتظارا لمزيد من البيانات.
مسار التضخم يفتح الباب للتيسير
أحد أبرز العوامل الداعمة لاستمرار خفض الفائدة هو التراجع الكبير في معدلات التضخم، حيث تراجع التضخم الأساسي إلى 11.2% خلال يناير/كانون الثاني 2026، مقابل 11.8% في ديسمبر/كانون الأول 2025، مقارنة بذروته التاريخية البالغة 38% في سبتمبر/أيلول 2023، ما يعكس تأثير تشديد السياسة النقدية، واستقرار سوق الصرف، وتراجع حدة صدمات الأسعار العالمية.
وترى وحدة أبحاث “بي إم آي” التابعة لـ”فيتش سوليوشنز”، أن التضخم قد يقترب من مستهدفات البنك المركزي البالغة 7% (±2 نقطة مئوية) بحلول الربع الرابع من 2026، معتبرة أن هذا المسار سيفتح المجال لمزيد من الخفض في أسعار الفائدة خلال العامين المقبلين.

توقعات واسعة بخفض جديد
غالبية التوقعات الصادرة عن مؤسسات دولية ومحلية تميل إلى ترجيح خفض جديد في أسعار الفائدة خلال اجتماع الخميس، ففي استطلاع أجرته وكالة رويترز شمل 14 اقتصاديًا، توقع المشاركون خفضًا بواقع 100 نقطة أساس، ليتراجع سعر الإيداع إلى 19% وسعر الإقراض إلى 20%.
كما أظهر استطلاع أجرته CNBC، شمل 12 محللًا أن نسبة كبيرة من المشاركين تتوقع خفضًا يتراوح بين 0.5% و2%، مستندين إلى استقرار التضخم وتراجع المخاطر الجيوسياسية وتحسن وضع العملة المحلية.
وتتقاطع هذه التوقعات مع تقديرات بنوك استثمار كبرى استطلعت “بلومبرج” آراءها، حيث رجحت خفضًا يتراوح بين 100 و200 نقطة أساس، بسبب ارتفاع أعباء خدمة الدين العام، إذ تمثل الفوائد بندًا رئيسيًا في الموازنة العامة، ما يجعل أي خفض في أسعار الفائدة عاملاً مساعدًا في تخفيف الضغوط المالية.
وتوقعت “فيتش سوليوشنز”، خفضًا إضافيًا بنحو 600 نقطة أساس خلال 2026، يليه خفض آخر بنحو 300 نقطة أساس في 2027، في حال استمرار تراجع التضخم وتحسن المؤشرات الاقتصادية.
دورة خفض ممتدة
من جانبها، توقعت الخبيرة المصرفية، سهر الدماطي، أن يشهد عام 2026 خفضًا تراكميًا يتراوح بين 5% و6%، ما قد يدفع أسعار الفائدة إلى مستويات بين 14% و15% بنهاية العام.
وفي تصريح لـ"العين الإخبارية"، رجحت الدماطي، خفض أسعار الفائدة بنحو 3% خلال النصف الأول من العام، مؤكدة أن دورة التيسير النقدي لم تنته بعد، وأن البنك المركزي يمتلك الآن مساحة أكبر للتحرك، خاصة مع تحسن الاحتياطيات الأجنبية وتراجع الضغوط على الجنيه.
مخاوف موسمية وضغوط سعرية
رغم موجة التوقعات الواسعة بالخفض، لا يخلو المشهد من آراء ترجح التثبيت في الاجتماع الأول من العام، إذ يرى الخبير المصرفي عز الدين حسانين، أن توقيت الاجتماع، الذي يتزامن مع ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية قبل شهر رمضان، قد يدفع المركزي إلى التريث.
وأضاف حسانين لـ"العين الإخبارية"، أن زيادة أسعار اللحوم والدواجن والأسماك قد ترفع معدلات التضخم بشكل مؤقت، ما يستدعي الحفاظ على مستويات الفائدة الحالية لدعم القوة الشرائية للمودعين، خاصة أن عوائد الودائع تمثل مصدر دخل مهم لشريحة واسعة من المواطنين.
وأوضح أن خفضًا محدودًا يتراوح بين 1% و2% لن يكون كافيًا لتحفيز الإقراض بصورة ملموسة، في حين أن تثبيت الفائدة قد يعزز الاستقرار النقدي ويمنح صانعي القرار فرصة لقراءة تطورات الأسعار بدقة أكبر.

خفض الفائدة والبورصة
في المقابل، يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال، أن خفض الفائدة بمقدار 1.5% خلال الاجتماع المقبل سيكون خطوة منطقية، مستندًا إلى تحسن قيمة الجنيه وتراجع الضغوط التضخمية الهيكلية.
وأكد أن البنك المركزي لم يعد مضطرًا لاستخدام الفائدة المرتفعة كأداة للدفاع عن العملة، في ظل تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتوافر السيولة الدولارية، مضيفًا أن بدء دورة تيسير عالمي يقودها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يدعم توجهًا مماثلًا في مصر للحفاظ على تنافسية الاقتصاد.
وأشار عبد العال، إلى أن خفض الفائدة سيشكل دفعة قوية للبورصة المصرية، إذ يدفع جزءًا من السيولة الخارجة من الشهادات مرتفعة العائد نحو سوق الأسهم، كما يسهم في تحسين تقييمات الشركات وتهيئة المناخ لنجاح برنامج الطروحات الحكومية.