رحلة تشارلز إلى أمريكا.. دبلوماسية التاج لترميم الصدع
عندما يحط العاهل البريطاني الملك تشارلز الثالث رحاله في الولايات المتحدة، الإثنين، سيحمل مساعدوه «ملفا ضخما» من الأهداف الرئيسية التي كانت نتاج أشهر من التنسيق، مع ملاحظات بخط اليد دوّنها الملك بقلمه الأحمر الشهير.
إعداد هذه القائمة لم يكن سهلاً، فقد سبق أن وصلت علاقة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى حافة التوتر، بسبب ملفات عدة، بينها حرب إيران والهجرة والتنقيب عن النفط والغاز، حتى إن بعض السياسيين البريطانيين طالبوا بعدم قيام تشارلز بالزيارة أصلاً، بحسب صحيفة «بوليتيكو» الأمريكية.
والآن، تأتي الرحلة وسط توتر أمني متصاعد بعد حادث إطلاق النار في عشاء مراسلي البيت الأبيض مساء السبت.
ومن المرجح أن يتطرق تشارلز إلى الحادث في خطابه أمام جلسة مشتركة لـ«الكونغرس» الثلاثاء، وفق مساعد ملكي غير مخول بالحديث علناً. وقد انخرط الملك شخصياً في إعداد الخطاب.
وبينما تحدثت تقارير عن أن مدته ستبلغ 20 دقيقة، قال شخصان مطلعان على التحضيرات إنه قد يمتد إلى نحو نصف ساعة، أي أطول بكثير من خطاب والدته الملكة إليزابيث الثانية، الذي استغرق 12 دقيقة خلال زيارة للولايات المتحدة عام 1991. وقال أحدهما: «يمكن قول الكثير خلال 30 دقيقة في الكونغرس».
رسائل تشارلز
لكن، وكما هي الحال في كل الزيارات الملكية، فإن رسائل تشارلز الأكثر حساسية ستُمرر غالباً بلغة مشفرة، فيما تبقى السياسة الحقيقية خلف الكواليس.
ويحرص الطرفان على التأكيد أن الرحلة مجرد هدية بمناسبة الذكرى الـ250 للولايات المتحدة، ولن تشهد إعلانات جوهرية. كما أبلغت إدارة ترامب الجانب البريطاني بألا يتوقع تركيزاً كبيراً على السياسات، رغم لقاء الرئيس الأمريكي بالملك في المكتب البيضاوي الثلاثاء.
لكنّ 15 مسؤولاً حالياً وسابقاً من بريطانيا والولايات المتحدة، تحدثوا إلى صحيفة «بوليتيكو»، رسموا صورة لزيارة مخطط لها بدقة، وتديرها الدولة البريطانية، وتحمل أبعاداً سياسية وسياساتية عميقة.
كما أن التهديدات التي يواجهها ستارمر من داخل حزبه أثارت تساؤلات لدى مسؤولين بريطانيين بشأن مدى ضرورة إبقاء تشارلز، في نظر ترامب، منفصلاً عن رئيس الوزراء الذي طلب منه القيام بالزيارة.
وبالنسبة لبريطانيا، فإن سقف النجاح بات منخفضاً إلى حد بعيد: ترميم العلاقات وجعل ترامب يبتسم.
وقال شخص مطلع على التحضيرات: «هناك شعور بأن الملك قد ينجح في دفع قضية واحدة فقط، والسؤال هو: ما هذه القضية؟»
ويبرز ملف الحرب في أوكرانيا مرشحاً رئيسياً، بعدما انشغل ترامب لأشهر بالانتخابات النصفية المقبلة والحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
ويشكّل النزاع بين كييف وموسكو نقطة تقاطع بين أهداف بريطانيا الدبلوماسية وما يهم الملك شخصياً. وقال المصدر ذاته: «إنه الملف الذي يهتم به الملك حقاً، أكثر من التكنولوجيا أو بقية عناصر العلاقة».
كما يُرجح أن يشدد الملك على التزام بريطانيا بالعلاقات الدفاعية بين البلدين، والتي تشمل تحركات حلف الناتو في القطب الشمالي، في وقت يشكك فيه ترامب بمستقبل الحلف. وتتضمن أجندة الزيارة التوجه إلى مقبرة
وفي رسالة رمزية خلال زيارة ترامب لبريطانيا في سبتمبر/أيلول، ارتدت السيدة الأولى ميلانيا ترامب فستاناً أصفر، فيما ارتدت الملكة كاميلا الأزرق، وهما لونا العلم الأوكراني. وقال شخص مطلع: «هذا لم يحدث بالصدفة».
وأضاف سايمون كيس، أن أسلوب العائلة المالكة هو «أرِهم ولا تخبرهم»، موضحاً أن الزيارات الملكية تعتمد على الرموز والصور أكثر من الكلمات.
وفي بعض الأحيان، تكون الرسائل أوضح مما تبدو عليه. ففي مأدبة رسمية لترامب في سبتمبر/أيلول الماضي، أشاد الملك بشراكة الغواصات أوكوس بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، واصفاً إياها بأنها «نموذج للتعاون المبتكر والحيوي». وبعد شهر، قال ترامب إن الاتفاق «يمضي بكامل السرعة».
ملفات يُفضّل تجنبها
وهناك قضية توحد ترامب وستارمر وتشارلز: لا أحد يريد الحديث عن المدان الراحل بجرائم جنسية جيفري إبستين.
فالشرطة تحقق مع شقيق الملك أندرو، والسفير البريطاني السابق في واشنطن بيتر ماندلسون، بشأن مزاعم نقل مواد حساسة إلى إبستين، وهما ينفيان ارتكاب أي مخالفات.
كما رفض قصر باكنغهام دعوات للقاء ضحايا إبستين خلال الزيارة.
أما القضية الأقرب إلى قلب تشارلز، وهي البيئة، فمن المرجح أيضاً أن تُستبعد. فالملك دعا خلال قمة الكومنولث عام 2024 إلى التحرك ضد «التهديد الوجودي للتغير المناخي»، ومن الصعب تصور تكراره هذه الكلمات هذا الأسبوع.
استئناف التجارة
خلف المراسم والاحتفالات، ستكون هناك حسابات سياسية حقيقية.
وسينضم المبعوث الخاص لستارمر إلى الولايات المتحدة، فارون تشاندرا، إلى الوفد الملكي، في محاولة لإحياء مفاوضات اتفاقين منفصلين بشأن التكنولوجيا والتجارة، كان ستارمر وترامب قد توصلا إليهما العام الماضي.
ويتعلق «اتفاق الازدهار الاقتصادي» بخفض الرسوم الجمركية الأمريكية على السيارات والطيران والصلب، مقابل فتح السوق البريطانية أمام لحوم الأبقار والإيثانول الحيوي. لكن بنوداً رئيسية لا تزال غير منفذة.
أما الاتفاق التقني، فما زال معلقاً، خصوصاً بعدما هدد ترامب الجمعة بفرض «رسوم كبيرة»، رداً على ضريبة الخدمات الرقمية البريطانية، التي تؤثر في شركات تكنولوجيا أمريكية كبرى.
ورغم أنه من المستبعد جداً أن يتدخل الملك مباشرة في هذه الملفات، فإن مسؤولين يتوقعون أن يستفيد المفاوضون البريطانيون من أجواء الزيارة لإعادة فتح قنوات التجارة.
وقال مسؤول أمريكي إن الجانبين سيحاولان «إحراز تقدم في بعض القضايا»، لكنه شدد على أن «ترميم العلاقات سيكون الأولوية القصوى».
تخطيط لأشهر
كل التخطيط يجري تحت ستار أن الزيارات الملكية شأن خاص بقصر باكنغهام، لكن الواقع أن زيارة تشارلز تتم بناءً على نصيحة الحكومة، وقد خُطط لها لأشهر بين وايتهول والقصر عبر اجتماعات وإحاطات سرية.
وتتولى «لجنة الزيارات الملكية»، التي تضم ممثلين عن القصر ورئاسة الوزراء ووزارة الخارجية ووزارة الأعمال والتجارة، دراسة مئات الخيارات. وبعد الاتفاق على المكان، تبدأ مناقشة الجوانب اللوجستية والأهداف والمخرجات.