ازدهار «اقتصاد الشيخوخة» في الصين.. كبار السن يشعلون طفرة استهلاكية بالمليارات
في الصين، لم يعد التقدم في العمر مجرد تحول ديموغرافي صامت، بل أصبح قوة اقتصادية تعيد تشكيل الأسواق من جديد.
فمع تسارع شيخوخة السكان وتراجع معدلات المواليد، يتجه صانعو السياسات والشركات إلى قطاع غير تقليدي: كبار السن، الذين يتحولون تدريجيًا إلى محرك رئيسي للاستهلاك والطلب على التكنولوجيا والخدمات الصحية.
وبينما تتوسع الاستثمارات في ما يُعرف بـ«اقتصاد الشيخوخة»، يبدو أن المستقبل الاقتصادي للصين يُكتب اليوم بأيدي جيل يتقدم في العمر، لكنه يزداد تأثيرًا ونفوذًا.
معرض شنغهاي
من العلاج الحراري الروبوتي وأجهزة المشي الخارجية إلى مسحوق الحليب والأثاث ذي الحواف غير الحادة، أُتيحت الفرصة لآلاف الزوار في معرض شنغهاي التجاري الأسبوع الماضي للاطلاع على لمحة من مستقبل الصين الواعد.
وتوافد أكثر من 600 شركة إلى معرض شنغهاي الدولي لرعاية كبار السن، وطب إعادة التأهيل، والرعاية الصحية لعرض منتجات مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات كبار السن المتزايدين في البلاد، وهو ما يمثل محور اهتمام بكين في وقت تشهد فيه معدلات المواليد انخفاضًا حادًا.
وقالت تشو يان، مندوبة مبيعات في جناح يعرض أجهزة غسل الأسنان لكبار السن المرضى تحت العلامة التجارية "كانغارو كير": "سوق كبار السن مزدهر للغاية". وأضافت لصحيفة فايننشال تايمز، أن التصميم كان موجهًا في الأصل للأطفال قبل أن يتم تعديله ليناسب هذه الفئة الجديدة من السوق.
تراجع نسبة المواليد
ومع بداية عام 2026 الجاري، نشرت هيئة الاذاعة البريطانية bbc تقريرا يفيد بأن، معدلات المواليد في الصين انخفضت إلى مستوى قياسي في عام 2025، على الرغم من إطلاق الحكومة سلسلة من الحوافز لرفعها، حيث انخفض عدد سكان البلاد للعام الرابع على التوالي.
وأظهرت بيانات حكومية صدرت في يناير/كانون الثاني، أن معدل المواليد في البلاد انخفض إلى 5.63 لكل 1000 نسمة، وهو أدنى مستوى له منذ تولي الحزب الشيوعي السلطة عام 1949، بينما ارتفع معدل الوفيات إلى 8.04 لكل 1000 نسمة، وهو أعلى مستوى له منذ عام 1968.
وانخفض عدد سكانها بمقدار 3.39 مليون نسمة ليصل إلى 1.4 مليار نسمة بنهاية عام 2025، مسجلاً انخفاضاً أسرع من العام السابق.
وفي مواجهة شيخوخة السكان وتباطؤ الاقتصاد، تبذل بكين جهوداً حثيثة لتشجيع المزيد من الشباب على الزواج والإنجاب.
وفي عام 2016، ألغت سياسة الطفل الواحد التي كانت سارية لفترة طويلة واستبدلتها بسياسة تحدد عدد الأطفال بطفلين.
وعندما لم يؤد ذلك إلى زيادة مستدامة في عدد المواليد، أعلنت السلطات أنها ستسمح بما يصل إلى ثلاثة أطفال لكل زوجين في عام 2021.

ازدهار اقتصاد كبار السن
ويُولي صانعو السياسات في الصين اهتمامًا متزايدًا بـ"اقتصاد كبار السن"، وهو مفهوم يُبشّر بآفاق نمو واعدة في ظل تراجع سوق العقارات الذي أثّر سلبًا على الإنفاق الاستهلاكي.
وتُشير الحكومة إلى أن قيمة اقتصاد كبار السن قد تصل إلى 30 تريليون يوان (4.4 تريليون دولار أمريكي) بحلول عام 2035، مع تزايد أعداد كبار السن وجذبهم لشركات عديدة.
ومن المتوقع أن يصل عدد من هم فوق سن 65 عامًا إلى حوالي 400 مليون شخص، أي ما يزيد عن 30% من السكان، بحلول منتصف العقد القادم.
وحتى شركة CRRC الحكومية لتصنيع معدات السكك الحديدية تُشارك في هذا التوجه من خلال طرح أسرّة رعاية ذكية تُطبّق مبادئ تكنولوجيا المراحيض في القطارات فائقة السرعة.
وقالت وانغ باوتشن، مديرة في أحد أقسام الرعاية الصحية بالشركة، إن كل من زار جناحهم سأل عن كيفية دخول CRRC مجال رعاية كبار السن، وأضافت، "نريد أن تتولى الآلات الأعمال الشاقة والمرهقة".
وامتلأت قاعات مركز المعارض بإشارات مماثلة إلى التكنولوجيا، وعرضت إحدى الشركات حفاضات لكبار السن تُرسل إشعارات إلى تطبيق عند تبليلها.
وعرضت شركة أخرى، هي شركة شيامن فوهويكانغ للتكنولوجيا الإلكترونية، أجهزة استشعار مصممة لتُثبّت على الأحذية لقياس المشية، إلى جانب شاشات ترسم مسار كل خطوة.
وقال مؤسس الشركة، لين تشيدا، إن تقنية إعادة التأهيل هذه طُبّقت سابقًا على منطقة الخصر، وأضاف، "يمكن للقدم جمع بيانات أكثر"، مشيرًا إلى أن التقييم اللاحق "سيُمكّن من تقييم خطر سقوط كبار السن".
وفي مكان آخر، عرضت شركة تابعة لمجموعة الروبوتات في معهد هاربين للتكنولوجيا جناحًا تفاعليًا يُقدّم العلاج بالاهتزاز - وهي تقنية قالت البائعة إنها تُستخدم أيضًا من قِبل رواد الفضاء.
وأوضحت: "في بيئة انعدام الجاذبية في الفضاء، قد تُصاب عضلات رواد الفضاء ببعض الضمور".
واستقطب هذا الحدث، الذي يُقام سنوياً منذ عقدين على الأقل، مجموعات من المستهلكين كبار السن الراغبين في تجربة المنتجات، بالإضافة إلى عدد من جمعيات كبار السن.
وقالت سون شوميي، رئيسة إحدى منظمات كبار السن في وحدة حكومية محلية في شنغهاي (جيداو)، والتي اصطحبت معها نحو 70 شخصاً، "إنّ مواقف الناس تتغير الآن".
وقالت متحدثةً عن كبار السن: "سيولون اهتمامًا أوليًا لاحتياجاتهم الروحية والمادية، هذه الاحتياجات تزداد أهميةً وبروزًا من ذي قبل".
وقال بائع في جناح تابع لجامعة توفر فصولا دراسية لكبار السن في شنغهاي إن تكلفة الدورة الواحدة 300 يوان صيني للفصل الدراسي، وتشمل حصةً واحدةً مدتها 90 دقيقة أسبوعيًا. وأضاف، "إنهم مفعمون بالحيوية، ولا يرغبون في المغادرة".
كما سلط الحدث الضوء على تحولٍ ملحوظٍ في سوق المنتجات المخصصة لكبار السن، بعيدًا عن منتجات الأطفال، في بلدٍ انخفض فيه معدل المواليد بقدر غير مسبوق منذ منتصف القرن الماضي.