اقتصاد

استسلام الصين الموهوم

الجمعة 2019.1.25 07:47 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 480قراءة
  • 0 تعليق
مجدي صبحي

سجل الاقتصاد الصيني معدلا للنمو بلغ 6.5% خلال العام الماضي، وهو ما يعد أقل معدل خلال 28 عاما، ويعزى هذا الانخفاض في معدل النمو إلى كل من ضعف الطلب، والآثار السلبية التي خلفتها حرب التجارة مع الولايات المتحدة الأمريكية. والواقع أنه حتى قبل إعلان هذه النتائج الخاصة بالنمو كان من الواضح أن النشاط الاقتصادي الصيني يعاني من تراخ ملحوظ في الربع الأخير من العام الفائت، وهو ما أطلق موجة من التصريحات من قبل أركان الإدارة الأمريكية وبوجه خاص من قبل الرئيس ترامب ذاته، تراهن على أن ضعف النمو الصيني نتيجة أساسية للحرب التجارية التي شنتها عليها الإدارة الأمريكية، وأن احتمالات التوصل لاتفاق تجاري باتت قوية جدا. ومع تقديمهم للمسألة بهذا الشكل بدا وكأن المسؤولين الأمريكيين يقولون إن الصين على وشك إعلان الاستسلام في هذه الحرب التجارية، وستسلم بكل ما تريده الإدارة الأمريكية منها.  

أين يمكن أن تستجيب الصين؟

نعم يمكن تفهم تقديم تنازلات صينية مهمة تقابلها تنازلات حتى وإن كانت أقل أهمية من الولايات المتحدة، لكن انتظار أن ترفع الصين الراية البيضاء في مجال تنميتها الصناعية والتكنولوجية فأمر يصعب تصوره

لا يمكن إنكار أن الحرب التجارية قد أضرت بالنمو الصيني، ولكنها لم تضر بالصين وحدها بل أضرت بأطراف عدة من بينها الولايات المتحدة ذاتها. فعلى أقل تقدير ينتج عن رفع الرسوم الجمركية زيادة في أسعار السلع الصينية في السوق الأمريكية وهو ما يزيد من معدل التضخم ويدفع بالتالي نظام الاحتياطي الفيدرالي إلى الاستمرار في تشديد السياسة النقدية برفع أسعار الفائدة، وهو ما يعمل بدوره على خفض وتيرة النشاط الاقتصادي.

وبشكل عام يمكن القول إن هناك جانبين مهمين يتعلقان بطبيعة العلاقات التجارية الأمريكية الصينية:

الجانب الأول يرتبط بكون الصين أكبر البلدان تحقيقا لفائض في التجارة السلعية مع الولايات المتحدة، حيث بلغ هذا الفائض نحو 375 مليار دولار في عام 2017، ومن المنتظر أن يكون قد شهد ارتفاعا رغم كل هذا الضجيج الأمريكي في العام الماضي 2018. فقد سجل ميزان تجارة السلع بين البلدين فائضا لصالح الصين يبلغ نحو 344.5 مليار دولار حتى شهر أكتوبر 2018، ومن المؤكد من ثم أن هذا العجز سيزيد على 400 مليار دولار خلال العام ككل.

ولكن في حقيقة الأمر المشكلة لا تكمن هنا، إذ منذ الشهور الأولى التي أعلنت فيها الإدارة الأمريكية حربها ضد الصين، كانت بكين تقول إنها مستعدة للتباحث في شأن خفض هذا الفائض. وكان العرض الصيني يركز ليس على خفض الصادرات الصينية، بل على زيادة واردات الصين من السلع الأمريكية والملاحظ أن أغلبها من السلع الأولية أو الغذائية. والأمر بسيط إذ ستستبدل الصين السلع الأمريكية بسلع مماثلة كانت تستوردها من بلدان أخرى مثل الغاز الطبيعي والنفط وفول الصويا واللحوم وغيرها من السلع المماثلة. ويبدو أن هذا العرض الصيني ما زال قائما، بل إنه بعد إعلان الهدنة التجارية عقب لقاء الرئيسين الأمريكي والصيني على هامش قمة العشرين بالعاصمة الأرجنتينية في 1 ديسمبر الماضي تم تجميد الإجراءات التي كان مزمعا اتخاذها برفع الرسوم الجمركية مع بداية العام الحالي في كل من البلدين. وطالبت الولايات المتحدة الصين بالعودة لشراء بعض السلع الأمريكية وعلى رأسها فول الصويا، وهو ما استجابت له الصين. ويعد هذا الطلب ذا أهمية سياسية للرئيس ترامب، حيث تضم الولايات الزراعية وخاصة التي تزرع وتصدر فول الصويا جزءا رئيسيا من قاعدته الانتخابية الداعمة.

الجانب الأصعب في المفاوضات

الجانب الثاني المهم في العلاقات التجارية بين البلدين هو المتعلق بقضية التكنولوجيا والتطور الصناعي والتقني الصيني، وفي هذا الجانب لا يقتصر النقد الموجة للصين على الولايات المتحدة وحدها، بل يضم إلى جانبها الاتحاد الأوروبي واليابان. وتشكو هذه الأطراف من بعض الممارسات الصينية مثل إجبار الشركات الراغبة في العمل في السوق الصيني على إفشاء أسرارها التكنولوجية لشركائها الصينيين. إضافة إلى انتهاك الصين حقوق الملكية الفكرية، وانتهاء بسرقة التكنولوجيا الأمريكية. وهناك أيضا سياسة الصين الصناعية حيث تقوم الدولة بدعم الشركات وبالذات في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا فيما ترى الولايات المتحدة أنه يمثل انتهاكا لقواعد التجارة الدولية.  

وكما ذكرنا في مقال سابق فإن الهدف من كل ذلك هو محاولة واشنطن لكبح قدرة بكين على إجراء تحولات هيكلية في اقتصادها تمكنها من تبوؤ مكانة محترمة على قمة الاقتصاد العالمي في المدى المنظور، وربما تمكينها من موقع القيادة في الأجل الطويل نسبيا. ولما كان الطريق المعروف للترقي الاقتصادي هو الاستناد إلى التحول الهيكلي في الاقتصاد، خاصة من خلال استخدام العلم والتكنولوجيا، فما تخشاه الولايات المتحدة هو إعلان الصين هدف التحول إلى اقتصاد متقدم ومتخصص في إنتاج وتصدير السلع المتقدمة تكنولوجيا بحلول عام 2025 وهي الاستراتيجية التي تتبناها الصين منذ عام 2015.

وهنا قد تكون المفاوضات أصعب والتنازل الصيني أبعد منالا، فإذا غضضنا الطرف عن أن قضايا التجسس الصناعي على الشركات هي ممارسة شائعة تمارسها شركات الولايات المتحدة ذاتها داخليا وخارجيا، فإن حصر هذه الممارسة عبر نصوص قاطعة في أي اتفاق أمر صعب. ناهيك عن أن الصينين كما هو شائع أطول نفسا من الأمريكيين بكثير، وأصبح لديهم مهارة خاصة في المراوغة فيما يتصل بالالتزام بمثل هذه الاتفاقيات وذلك بتقديم مزيج من إغراء الطرف الآخر أو حرمانه من بعض المزايا التي يوفرها السوق الصيني الضخم. وفي هذا المجال أيضا يشير بعض الاقتصاديين الأمريكيين إلى المبالغة الشديدة فيما يتعلق بقضية النقل القسري للتكنولوجيا من قبل الشركات الأمريكية الراغبة في العمل في الصين. فإذا صح أن الشركات تُضطر إلى إفشاء أسرارها التكنولوجية فهذا يتم بناء على الإغراء الذي يمثله دخول السوق الصيني من كفالة أرباح هائلة لها، وينطبق هذا الأمر نفسه على العديد من الشركاء الآخرين للصين. فطبقا لبيانات وفرتها وكالة بلومبرج الإخبارية نجد أن 30 شركة من أكبر الشركات المدرجة في مؤشر داكس الخاص بالبورصة الألمانية تحصل على 15% من إيراداتها من العمل في الصين. وهكذا فإن ذهب المعز الذي يمثله السوق الصيني، وليس فقط سيف الحكومة الصينية، هو ما يدفع الشركات إلى البوح بأسرارها التكنولوجية.  

أما فيما يتعلق بسياسة الصين ودعم الحكومة للشركات في إطار استراتيجية صنع في الصين 2025، فهو كما يشير رئيس الوزراء الأسترالي السابق كيفين رود في مقال له من شبه المستحيل حل المخاوف الأمريكية بشأنه. خاصة أن كافة الدول تقدم في الحقيقة مثل هذا الدعم الحكومي وتحديدا في مجال البحث العلمي والتكنولوجيا. فمن الصعب وضع قواعد يمكن بناء عليها تحجيم هذا الدعم، كما سيكون من الصعب جدا مراقبة مدى الالتزام بهذه القواعد إذا ما تم وضعها.

ما يمكن توقعه إذن هو قبول صيني بخفض الفائض التجاري مع الولايات المتحدة، وخاصة بزيادة الواردات الصينية منها. لكن قادة بكين سيكونون أكثر صلابة ومراوغة في الوقت ذاته في الجانب الآخر المتعلق بتحجيم قدرة بلادهم على تحقيق إنجاز صناعي وتكنولوجي مهم طبقا لاستراتيجية صنع في الصين 2025. نعم يمكن تفهم تقديم تنازلات صينية مهمة تقابلها تنازلات حتى وإن كانت أقل أهمية من الولايات المتحدة، لكن انتظار أن ترفع الصين الراية البيضاء في مجال تنميتها الصناعية والتكنولوجية فأمر يصعب تصوره.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات